يحيي العراقيون في كل عام شعيرة زيارة الأربعين ، تلك الزيارة التي تأسست على الموروث الروائي المعتبر ، استذكارا لمعاناة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يعودون من أسر يزيد بن معاوية(لعنه الله) في الشام الى ديارهم في المدينة المنورة، مرورا بأرض كربلاء .
غير أن هذه الشعيرة التي تؤدى على النحو الذي يشاهده العالم في العشرين من صفر من كل عام ، التي تبدأ من العاشر منه الى العشرين ، لاتشبه أي زيارة اخرى يمكن أن تسجل في سجل الشعوب لشهيد قضى نحبه قبل اكثر من ١٣٨٧ سنة مرت من الآن ، سواء في عدد الزائرين الى الضريح المقدس أم بالطريقة التي تتم بها هذه الزيارة ! فهي علامة فارقة في التأريخ البشري عموما ، والعراقي على وجه الخصوص ، وبصرف النظر عن الملاحظ التي تسجلها الثقافة الرسمية حول شكل الزيارة ، وصورتها الشعبية ، الا أنها انجزت لنفسها التفرد بحق في حجم الزخم البشري وطرائق التعبير عن نفسها ، سواء في حقلها السيميائي – بدءاً بالخيط البشري القائم من البحر ( رأس البيشه) الى التشكيل الإنساني لوحات عطاء على الطريق ، ولوحات الندب اصوتا ، وأجسادا، وحتاما باللوحات الحمر وهي تدخل باكية لاطمة الى الصحن الشريف – أم في حقلها التفكيكي وهي تتجزء الى رؤى وعقائد تثير كثيرا من الأدهاش في إمكانية تجمعها في مكان وزمان معينين !
ان النظر الى تلك الشعيرة على أنها طقس تعبدي تمارسه الجماعة المؤمنة وحسب ، لايحقق كثيرا من القناعة العلمية ، ذلك لأن الجماعة – او الغالبية منها – لاتلبث أن تنسلخ منه حال انقضاء المناسبة !! وتعود الى ممارساتها اليومية التي اعتادت عليها ، وهي ممارسات تتناسب ومعطيات العصر وظروف البلد على الأصعدة كلها ، والنظر على أنها حركة فولوكلورية يعبر العراقيون فيها عن حزنهم السومري بوصفه جيناً عراقيا قديما يرتبط بتموز وغيره من الأساطير في الثقافة العراقية ، غير مقنع ايضا ، إذ إننا نحتاج الى دليل على أن العراقي المعاصر قد استدعى غير هذه الأسطورة فولوكلورا ! وإلا لماذا هذه التعبير بالذات ؟ اضف الى ذلك ، فإن ادراك مثل هذه الأسطورة يستدعي بناء قيمياً خارج البعد الديني ؛ لاختلاف العقيدة بين المدتين .
في البعد الإجتماعي ، قد يقال : هي ثقافة العقل الجمعي ، إذ يحفز الناس بعضهم بعضا على هكذا سلوك ، والواقع ان هذا الرأي غير جدير بالقبول ايضا ؛ اذ ان محيي هذه الشعيرة متفاوتون في المستوى الثقافي ، فقد يصدق الإنجرار بالعقل الجمعي بمن لايملك كثيرا من الوعي ،مقلدا لظاهرة بدأت واتسعت ، غير أن المتابع المنصف يرى أن مستويات علمية كبيرة تشارك بقوة في هذه الشعيرة ، بل ان شهادات عليا ، بمراتب عليا ، تساهم وتشارك فيها ، وبذا فإن انقياد هذه المستويات العلمية الى العقل الجمعي بعيد ، بل لايصح اصلا .
يمكن ادراج الراي القائل : إن الله سبحانه وتعالى أراد للإمام الحسين عليه السلام وآل بيته الرفعة والسمو والذكر الحسن ، وبذا فقد سخر له ولهم هذه الملايين من الناس اظهارا لتضحياتهم ، وتكريما لجهادهم . والواقع ان هذا الرأي ظاهر وموجود وهم بالفعل مستحقون له ، ولكن يمكن أن يرى من دون هذه الممارسة المليونية ، اذ لم يكن هكذا تجمع قد حصل على مدى ثلاثة عشر قرنا مضت ، فهل كانوا قبل قرننا هذا غير مكرمين ؟؟ ولامستحقين له ؟ مع الأخذ بالحسبان الأوضاع السياسية في العراق ،وأن بوادر هذا التجمع كان قد بدأ في هذا القرن في اجواء نظام البعث ،اقسى نظام حكم في التاريخ . وللتدليل أكثر كان بالإمكان أن يكون في ظل قيام الجمهورية العراقية (١٩٥٨-١٩٦٣ م) اذ سمح للكثير من الطقوس الشيعية أن تتواجد على الساحة ، غير أن ذلك لم يحصل بالطبع .
وقد يقال : إن الشيعة في العراق على وجه الخصوص تطبق كل مايصدر عن المرجعية الدينية في النجف الأشرف ، وان هذه الممارسة هي من اوامرها ، والواقع ان العقل الديني العراقي يفرق تماما بين مصطلحي : الواجب والمستحب ، وقد اعتاد فقهاء الإمامية على النص ان زيارة الإئمة عليهم السلام مستحب وليس بواجب ، الا فتوى السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر رحمه الله ، التي افتى بها بالولاية في تسعينيات القرن للماضي ، وهي فتوى في بعدها التعبوي ؛ اذ اربك نظام الحكم انذاك ، وخلخل مفاصله ، وبالفعل فقد لبى الشباب هذا الواجب وساروا للإمام الحسين عليه السلام مع رفض السلطة انذاك لهكذا امر ، وبالفعل فانها قامت بسجن الزائرين ، غير أن المعروف الفقهي أن الذي يطبق هذه الفتوى هم مقلدوا الفقيه الذي افتى بها ، اما بقية الناس من غير مقلديه فلا واجب عليهم ولاحرج ، كما هم متفاوتون في تطبيق فتاوى العلماء ، فكل يتبع مرجعه الى حد الإختلاف في بعض الأحيان ، ومن طبيعة العراقيين الإصرار على العمل بمقتضى فتاوى مرجعهم ،فهم لايتطوعون غالبا في تنفيذ فتاوى غير مرجعهم ؛ لاسباب دينية بالطبع. اضف الى ذلك فإن للجماهير آنذاك تلقت الفتوى بطابع سياسي ، اذ إن مقلدي السيد الشهيد الصدر يعلمون أن هذه الفتوى هي بالولاية ، بمعنى ان الطابع السياسي التعبوي موجود ،وهي بعد ذلك كانت ضمن حزمة من توجيهاته قدس سره لجماهيره الغاضبة على النظام . وعلى هذا فإنه من الممكن أن تنتهي هذه الممارسة بسقوط النظام ، وتعود الأمور الى سابق عهدها بالاستحباب ، غير أن هذا لم يحدث ، بل ترى العراقيين وغير العراقيين وهم يقلدون مراجع شتى يمارسون هذه الشعيرة ، من دون الإلتفات الى جهة تقليدهم! وعلى هذا فأن هذا الرأي غير دقيق ايضا .
من جهة اخرى فإن المتتبع للشخصية العراقية في مستوياتها العلمية والطبقية ، يرى أن نسبة غير قليلة من سكان الريف غير ملتفتة الى مثل هذه الأمور ، وأنها منشغلة بالأرض ، ولاتتابع على الدوام مسارات الحقل الفقهي عموما الا مايرتيط بالمسائل الأبتلائية ، كالصوم والصلاة وغيرها من الواجبات ، على نحو فراغ الذمة ، وأنها تكتفي بعقد المجالس الحسينية في المضائف في العشرة الأولى من محرم الى يوم المقتل ، وبعض منها ايام صفر الى العشرين منه ، هذا الحال ينطبق على بسطاء الناس ، اما شيوخ العشائر ( والكلام عن المدة قبل ٢٠٠٣م) فإنهم غير مستعدين لقطع مسافات شاسعة مشيا على الأقدام الى كربلاء ، ويكتفون بالسفر بواسطة المركبات ، غير أن الحاضر يسجل لهم توافدا كثيفا بين الزائرين الماشين على اقدامهم ، بل ان كثيرا منهم يكفلون خدمة الزائرين ماديا وفعليا ، وهي حالة تستدعي اعادة القراءة لشخصية الشيخ على ضوء المتغير الحالي .
إن مانتحدث عنه لايمكن حصره بالمشقة التي يتكبدها الزائر ماشيا ، قاطعا مسافات بمئات الكيلو مترات ،بل نتحدث عن بذل في الإمكانيات المادية يصل الى ترليونات الدنانير في كل سنة ، والى وفرة طعام تمتد من اقصى جنوب العراق الى كربلاء ، بصورة تخرج عن مصطلح الكرم الى مصطلح آخر استطيع أن اسمية (فوق السخاء والكرم) على مستوى المادة ، وعلى مستوى الأخلاق ، فليس على وجه الأرض مجتمع خلوق كالمجتمع العراقي في هذه الشعيرة ، لا في شرق الأرض ولاغربها ، اخلاق فوق المثالية ، بل لم نقرأ عنها في اخلاق الصالحين ، الا اخلاق اهل البيت عليهم السلام ، الأمر الذي استدعى أن تتواجد اجهزة الإعلام العالمية لنقل هذه الشعيرة ، ولتسلط الضوء على ممارساتها .
في الواقع ان القول بغيبية الاسباب يمكن ايضا ان لايرجح ، اذ بإمكاننا قراءة المشهد عبر العودة الى السنن الكونية التي ارادها الله تعالى أن تسري في الأرض ، وقد التفت الى أمر وأنا اقرأ قوله تعالى على لسان النبي ابراهيم عليه السلام (( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ )) ابراهيم : ٣٧ وبالنظر الى بطن الآية الكريمة ، فإن تصرف النبي ابراهيم عليه السلام لايمكن أن يكون تصرفا شخصيا ، املته عليه منظومة افكاره حينها ، اذ كيف لقلب نبي أن يأمن على امرأة ضعيفة وطفل في المهد في صحراء قاحلة ، لازرع فيها ولاضرع ، بل ليس فيها ماء ، ولو صدر هذا التصرف من قديس غير لبراهيم لاتهم بقساوة القلب ، وللامه الناس عليه ، فكيف يصدر منه وهو نبي ، على أن لام التعليل الواقع بعد تصرفه هذا يشير الى إقامة الصلاة ! أوليس بالإمكان ان يقيما الصلاة في داره وبمعيته! اي صلاة تلك التي توجب ترك طفل وامه في الصحراء؟؟
غير أن النظر في اللغة يرينا غير ذلك ، اذ لم يقل ابراهيم عليه السلام : ليقيما الصلاة في اشارة الى هاجر واسماعيل ، بل قال ليقيموا (بالجمع) ومن البعد اللغوي ننطلق الى أن ابراهيم عليه السلام لم يتركهم في الصحراء لأجل ان يصليا بمفهوم الصلاة المتعارف عندنا ، بوصفها طقسا عباديا حركيا ، بل ليقيموا ، في اشارة الى المجموعة التي سيتحقق وجودها فيما بعد ، على أن مصطلح الصلاة هنا ليس هو المطلوب بعينه ،بل ذكر هنا على سبيل الجزئية ، اذ الصلاة جزء من الدين الذي سيتحقق وجوده في شبه الجزيرة العربية على يد حفيد اسماعيل عليه السلام ، اسماعيل الذي سيتزوج من امرأة جرهمية عربية ، ويتكاثر ذرية في هذه الأرض حتى بولد من ذريته النبي محمد صلى الله عليه وآله ، لتقيم الأمة الصلاة ( الدين ) وليتحقق البعد اللغوي في عبارة ( ليقيموا الصلاة) في الاية الكريمة ، والسؤال هو : كم من السنين بين وجود اسماعيل في الصحراء ومولد النبي محمد ؟ والجواب هو اكثر من ٢٤٥٠ سنة ، المدة الزمنية التي اعدها الله تعالى لتغيير وجه العالم ، وختم الأديان بالدين الاسلامي الحنيف ، وبنبي الاسلام محمد صلى الله عليه واله ، والسؤال الآخر : كم بين شهادة الإمام الحسين عليه السلام قيام القائم عليه السلام؟ الى الآن ١٣٨٧ ، ولم يأذن الله تعالى لصاحب الأمر ، والمخلص أن يظهر ، وهي مدة اقل من المدة بين اسماعيل ومحمد عليهم السلام ، وبالتالي ،فان مايحصل من تصاعد وتيرة هذه الشعيرة الآن انما هو في نظام السنن الكونية المهيئة للأمر العظيم على كوكب الأرض ، لاسيما وان التراث الاسلامي ينص على ان عاصمة المخلص المنتظر عليه السلام هي العراق ( الكوفة تحديدا) … فكما أن الجاهلية طويت بوجود اسماعيل في الصحراء وامه وحيدين بادىء الأمر ، كذلك فإن جاهلية العالم المعاصر ستطوى بوجود الإمام الحسين عليه السلام على ارض العراق ، من شهادته وأول بناء طيني على قبره الشريف ، مرورا بالعصور التي تلت ، والمتغير الحضري والعمراني ، ونهاية بالتغيير المنشود .
هكذا يهيىء الله العالم لفعل التغيير والتبديل ، وان طالت المدة ، والا فكيف يمكن فهم مقولة (( إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة))؟ .
ان السنن الكونية لاترى المزاج الإنساني حاكما على تحققها بطول المدة ، بل بإنجاز السنة بصرف النظر عن التوقيت ، والا فعجلتنا – نحن البشر- غير منظور له في البعد الكوني الألهي .
