ثانيًا: التفرقة وتعزيز الانقسامات:
التفرّق والتجزئة والانقسام من أشدّ وسائل الحرب الناعمة تدميرًا للمجتمع؛ لأنّها تستهدف بنيته الداخلية فتفكّكه، وبالنتيجة تضعف قوته، فينهزم بذاته دون عدو خارجي، بوصفه كيانًا منقسمًا. وللانقسامات أنواع كثيرة، منها:
١- الانقسام الديني أو المعتقدي أو المذهبي:
يُعدّ هذا النوع من أخطر الانقسامات، وهو الأكثر تركيزًا في الحرب الناعمة؛ لكونه الأقرب أحيانًا إلى الصراع الوجودي. يبدأ الاستهداف بتهويل جزئيات هي في الأصل مواضع خلاف اعتيادي، ثم يجري إغفال الثوابت المشتركة التي تمثل الشراكة الحقيقية في المصير الواحد.
فتُحوَّل المسألة الفقهية- احيانا – إلى صراع بقاء، ويُرفض وجود الآخر أو انتشار فكرته، وقد يُسعى إلى تخوينه أو تكفيره أو اتهامه بالعمالة والجاسوسية. وأخطر ما في الأمر تحويل الخلاف المصطنع إلى قتال، عبر مفاهيم خطِرة مثل: ضال، منافق، عميل، خارج عن الملّة، كافر، مبتدع.
كما تُروَّج فكرة ارتباط كل طرف بجهات خارجية، فيكثر الاتهام، فيكون بؤرة للتفرقة أولًا وذريعةً لشرعنة مواجهته ثانيًا.
٢- الانقسام ذو البعد العِرقي أو القومي أو الطائفي أو المناطقي:
يرتكز هذا الانقسام على تنمية الشعور بالهوية الخاصة والانتماء والمطالبة بالانفصال تحت عناوين: الأصلي وغير الأصلي، الوافد والمقيم، الشمال والجنوب، أو الانتماءات القومية المختلفة.
وتكمن خطورته في تحوّل أبناء الوطن الواحد إلى جماعات متناحرة يترصّد بعضهم بعضًا، وقد يتطور الأمر إلى تجنيد بعضهم في جهات معادية لاستهداف الطرف المخالف.
٣-الانقسام المهدِّد للبنية الاجتماعية:
تكمن خطورته في استهداف روح التعاون والشراكة. فتعمل الحرب الناعمة على زرع هذا النوع لإضعاف قوة المجتمع، ويكون هدفها الأول تحويل الشريك في الوطن إلى عدو.
فينشأ مبدأ المواجهة المجتمعية، وغالبًا ما تُستهدف العلاقات العشائرية أو العائلية، وتُورَّث العدائية للأجيال كما في النزاعات العشائرية، ويُسعى كذلك إلى صناعة الفوارق الطبقية (جاهل/مثقف، غني/فقير…) وتشجيعها اجتماعيًا.
وهنا يسقط المجتمع دون غزو عسكري أو حرب صلبة.
٤-الانقسام في القناعات الثقافية:
يتجلّى هذا الانقسام في تبنّي الأفراد تصورات أو هويات فكرية مختلفة، ثم تحوّلها إلى حالة عداء، بحيث يُنظر إلى المخالف باعتباره خطرًا يهدد الحياة. فتتحول الجماعات إلى شبه معسكرات فكرية دفاعية وهجومية عبر تخريب العقول.
الأصل أن اختلاف القناعات بابٌ من أبواب التنوع الثقافي، لكن الحرب الناعمة تحوّله إلى قطيعة وصراع عبر تأجيج الاختلاف، وصناعة منظومات متقابلة مثل:
حداثة منفلتة مقابل أصالة،
الفردية مقابل العمل الجماعي،
الدين مقابل الثقافة في الإصلاح الاجتماعي.
كما تُروَّج مصطلحات زائفة مثل: التخلف، الرجعية، الجهل، ويجري خلط مفهوم التنوع الثقافي بالانقسام الثقافي.
٥- الانقسام الفئوي
ينقسم إلى نوعين:
أولًا: الانقسام المجتمعي بحسب طبيعة الفئة
كالتقسيم إلى: متعلمين وغير متعلمين، مهنيين وعامة، رجال دين وعامة الناس، أغنياء وفقراء، نخب وجمهور، ريف ومدن.
وتعمل الحرب الناعمة على خلق تنافر بين هذه الفئات، وزرع الاحتقار المتبادل، وتضخيم الفوارق لإضعاف اللحمة الوطنية والمصير المشترك.
ثانيًا: الانقسام العمري (الجيلي)
يُنشأ عبر صناعة فجوة بين الأجيال، وتشجيع الشباب على التحرر من علاقة الكبار، وإقناعهم بامتلاك خصوصية منفصلة، وتغذية عقولهم بمفاهيم مختلفة حول: الحرية، الدين، الاحترام، النجاح، والثوابت.
فما يراه الآباء أدبًا واحترامًا قد يراه الأبناء ضعفًا أو جمودًا.
وهدف ذلك زرع روح التمرد، وقتل مبدأ القدوة، وإيقاف انتقال الخبرة؛ وتبلغ الخطورة ذروتها إذا حدث داخل الأسرة نفسها.
