1 فبراير، 2026
ألأخبارمقالات

الحرب الإعلامية بين إيران والولايات المتحدة/الردع، العقيدة، وتحولات ميزان القوة الدولي/بقلم: عباس النوري العراقي

صورة من مقال: الحرب الإعلامية بين إيران والولايات المتحدة/الردع، العقيدة، وتحولات ميزان القوة الدولي/بقلم: عباس النوري العراقي

مقدّمة

تتصاعد حدّة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، مرفقةً باستعراضات عسكرية، وتحركات بحرية، وتصريحات سياسية متبادلة، توحي – في ظاهرها – بقرب مواجهة عسكرية كبرى. غير أن القراءة التحليلية الهادئة تكشف أن ما يجري هو في جوهره حرب إدراك وردع إعلامي أكثر منه استعدادًا فعليًا لحرب شاملة.

إن هذا الصراع لا يمكن فهمه من خلال ميزان القوة المادية وحده، بل يتطلب مقاربة أوسع تأخذ في الحسبان العقيدة، والإيمان، وبنية الإرادة الشعبية، إلى جانب التطور العسكري والتكنولوجي.

أولًا: الحرب الإعلامية كأداة ردع

لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بإطلاق النار، بل بإطلاق الرسائل.

فالتحركات العسكرية الأمريكية في الخليج، ولا سيما نشر حاملات الطائرات، تمثل رسائل سياسية وإعلامية تهدف إلى ردع إيران وطمأنة الحلفاء. وفي المقابل، تستخدم إيران الإعلان عن قدراتها الصاروخية والمسيّرات كرسائل مضادة تؤكد قدرتها على جعل أي حرب مكلفة وغير مضمونة.

وعليه، فإن الإعلام هنا ليس ناقلًا للحدث، بل جزء من ساحة المعركة.

ثانيًا: حاملات الطائرات… قوة ضاربة أم أداة استعراض؟

لا خلاف على أن حاملات الطائرات الأمريكية تشكّل أحد أعمدة التفوق العسكري الأمريكي، بما تحمله من طائرات قتالية وأنظمة قيادة وسيطرة متقدمة. غير أن تطور طبيعة الصراع، وظهور الصواريخ الفرط صوتية والحروب غير المتماثلة، قلّل من قدرتها على الحسم المطلق.

في مواجهة دولة مثل إيران:

تصبح الحاملة هدفًا استراتيجيًا عالي الكلفة

أي إصابة لها، حتى لو كانت محدودة، تمثل هزيمة رمزية كبرى

يتحول دورها من أداة حرب إلى أداة ردع واستعراض قوة

ثالثًا: الصواريخ الإيرانية ومعادلة الردع

يشكّل إعلان إيران عن امتلاك صواريخ فرط صوتية مثل “فتاح” تحولًا نوعيًا في ميزان الردع. فهذه الصواريخ، بسرعتها العالية وقدرتها على المناورة، تُضعف فعالية أنظمة الدفاع الصاروخي التقليدية، وتزرع الشك في قدرة الخصم على حماية أصوله الاستراتيجية.

الغاية من هذه القدرات ليست شن حرب، بل منع الحرب عبر إدخال عنصر اللايقين في حسابات القرار العسكري الأمريكي.

رابعًا: القدرات غير المُعلنة… الغموض كأداة قوة

ضمن عقيدتها العسكرية، تعتمد إيران على الغموض المتعمّد، إذ يُرجّح امتلاكها قدرات لم تُفصح عنها رسميًا، من بينها:

صواريخ مطوّرة برؤوس وقدرات مناورة غير معلنة

أنظمة حرب إلكترونية وهجوم سيبراني

مسيّرات استراتيجية بعيدة المدى غير مستعرضة إعلاميًا

قدرات بحرية غير تقليدية (ألغام ذكية، زوارق مسيّرة)

منظومات دفاع جوي محلية محسّنة

وظيفة هذه القدرات ليست الاستخدام المباشر، بل إبقاء الخصم في حالة شك دائم.

خامسًا: من أين لإيران هذه القوة؟

يمكن تفسير تطور القدرات الإيرانية عبر ثلاثة عوامل رئيسية:

العقوبات الطويلة الأمد التي فرضت الاعتماد على التصنيع المحلي والهندسة العكسية

عقيدة عسكرية غير متماثلة تركّز على استنزاف الخصم لا مواجهته مباشرة

تراكم الخبرة الميدانية عبر عقود من الصراع غير المباشر

وهكذا تحوّل الحصار إلى عامل تطوير لا شلل.

سادسًا: العقيدة الإيمانية… البعد غير القابل للقياس

يُخطئ كثير من التحليل الغربي حين يحصر القوة في بعدها المادي. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية تستند إلى عقيدة إيمانية راسخة تشكّل عنصرًا أساسيًا في بنيتها الدفاعية.

الإيمان هنا ليس شعارًا، بل منظومة وعي وسلوك

ثقافة الصبر والشهادة تقلّل من فاعلية الردع التقليدي

أغلبية المجتمع ترى الصراع بوصفه دفاعًا عن الكرامة والسيادة

وهنا تفقد القوة المادية وحدها قدرتها على الحسم.

سابعًا: مقارنة استراتيجية – إيران وروسيا والصين

رغم الفوارق الكبرى، تشترك إيران وروسيا والصين في مواجهة الهيمنة الأمريكية، لكن بأساليب مختلفة:

إيران: ردع لامتماثل + عقيدة إيمانية

روسيا: ردع نووي وصاروخي + قوة خشنة

الصين: ردع اقتصادي وتقني + نفس طويل

ما يميز إيران هو أن العقيدة جزء من الردع نفسه، لا عاملًا خارجيًا داعمًا له، ما يجعلها أقل قابلية للانهيار النفسي وأكثر استعدادًا لتحمل الكلفة.

ثامنًا: هل الحرب قادمة؟

تشير المعطيات الواقعية إلى أن:

حربًا شاملة ليست خيارًا عقلانيًا

كلفة المواجهة تفوق مكاسبها

الصراع سيبقى ضمن:

الردع المتبادل

الرسائل المحسوبة

الحرب الإعلامية والنفسية

نحن أمام توازن ردع هش لكنه مستمر.

خاتمة

لم تهزم إيران الولايات المتحدة عسكريًا، لكنها نجحت في كسر وهم الضربة السهلة، وفرضت معادلة جديدة تؤكد أن القوة المادية، مهما بلغت، تبقى عاجزة عن الحسم حين تواجه إرادة تمتلك السلاح والعقيدة معًا.

وفي عالم يشهد تآكل الهيمنة الأحادية، لم تعد القوة تقاس بما تملكه من أدوات فقط، بل بقدرتك على جعل استخدامها مكلفًا وغير مضمون.

المصادر والمراجع

John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics, University of Chicago Press.

Lawrence Freedman, Strategy: A History, Oxford University Press.

Henry Kissinger, World Order, Penguin Press.

Joseph S. Nye, Soft Power, PublicAffairs.

Anthony H. Cordesman, Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities, CSIS.

Graham Allison, Destined for War, Houghton Mifflin.

Iranian Ministry of Defence – Strategic Statements and Military White Papers.

Chinese Defence White Papers – State Council Information Office.

Russian Strategic Doctrine – Analytical Studies.

📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق قراءة المزيد