مقدمة
تشهد الولايات المتحدة الأمريكية في العقدين الأخيرين حالة غير مسبوقة من الاضطراب الداخلي والتراجع الخارجي، تتقاطع فيها أزمات الديمقراطية، والاستقطاب المجتمعي، وفقدان الثقة بالمؤسسات، مع تحولات عميقة في بنية النظام الدولي. ولم تعد هذه التحولات محصورة في دوائر النقد المعارض أو التحليل الخارجي، بل أصبحت موضوعًا حاضرًا في كتابات النخب الأكاديمية ومراكز التفكير الأمريكية نفسها، التي تتحدث صراحة عن تآكل ديمقراطي داخلي وتراجع في الشرعية الدولية.
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن ما تعيشه الولايات المتحدة اليوم ليس أزمة عابرة، بل مرحلة انتقالية قد تمثل بداية نهاية نظام الهيمنة الأحادية الذي تشكّل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن السياسات التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب، بما تحمله من نزعة أحادية وقومية متطرفة، قد عجّلت في كشف هذا الانحدار بدل احتوائه.
أولًا: التآكل الديمقراطي والانقسام الداخلي
تشير تقارير دولية متخصصة، مثل تقارير Freedom House وV-Dem وInternational IDEA، إلى أن الولايات المتحدة شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في جودة الديمقراطية، لا من حيث الشكل الإجرائي للانتخابات فحسب، بل من حيث احترام الأعراف الدستورية، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وقبول نتائج التداول السلمي للسلطة.
ويؤكد عدد من علماء السياسة الأمريكيين أن هذا التراجع يأخذ شكل ما يُعرف أكاديميًا بـ التآكل الديمقراطي من الداخل، أي إضعاف النظام الديمقراطي عبر أدوات قانونية ومؤسساتية، لا عبر انقلاب عسكري مباشر. هذا النمط، كما تشير إليه الأدبيات المقارنة، غالبًا ما يكون مقدمة لتحولات أكثر عمقًا في طبيعة الدولة والنظام السياسي.
ثانيًا: ترامب وعقلية القوة المنفلتة
تميّزت سياسات دونالد ترامب، داخليًا وخارجيًا، بما يمكن وصفه بـ عقلية “الكابوي السياسي”؛ أي التعامل مع السياسة بوصفها ساحة صراع مفتوح، لا منظومة قواعد وأعراف. وقد تجلّى ذلك في:
الاستخفاف المتكرر بالمؤسسات الدستورية.
التشكيك في نتائج الانتخابات.
تهميش الحلفاء التقليديين.
الانسحاب أو الابتزاز في الاتفاقيات الدولية.
تغليب منطق القوة والصفقات على القانون الدولي.
هذا السلوك، وفق تحليلات مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية، لم يؤدِّ فقط إلى توتير الداخل الأمريكي، بل إلى فقدان الولايات المتحدة جزءًا مهمًا من صورتها كقائدة للنظام الدولي القائم على القواعد.
ثالثًا: الإمبراطوريات وسنن التاريخ
من منظور تاريخي مقارن، لا توجد إمبراطورية بلغت ذروة القوة إلا ومرت بمراحل ثلاث:
الصعود – الغطرسة – التآكل.
الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية البريطانية، والاتحاد السوفيتي، جميعها سقطت ليس بسبب ضعف خارجي مباشر، بل بسبب:
الإفراط في استخدام القوة.
تجاهل التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
فقدان الشرعية الأخلاقية.
استنزاف الموارد في صراعات غير محسوبة.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الولايات المتحدة اليوم تقف عند مرحلة الغطرسة الإمبراطورية المتأخرة، حيث تتصرف بوصفها فوق القانون الدولي، وتتجاهل التحولات الجارية نحو عالم متعدد الأقطاب.
رابعًا: الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني كعامل انحدار
من العوامل الجوهرية التي أسهمت في تآكل صورة الولايات المتحدة عالميًا، التمسك غير المشروط بالكيان الصهيوني والدفاع المستميت عنه، رغم الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
هذا الانحياز:
أفقد واشنطن مصداقيتها الأخلاقية.
عمّق مشاعر العداء لها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
عزلها عن قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
جعل خطابها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان خطابًا انتقائيًا فاقدًا للقوة الإقناعية.
وبدل أن يكون هذا التحالف مصدر قوة، تحوّل تدريجيًا إلى عبء استراتيجي وأخلاقي يسرّع من تآكل النفوذ الأمريكي.
خامسًا: الحرب المحتملة مع إيران وتسريع الأفول
إن أي انزلاق أمريكي نحو حرب مباشرة مع إيران لن يكون، وفق أغلب التقديرات الاستراتيجية، انتصارًا يعيد الهيبة، بل تسريعًا لانهيار منظومة الهيمنة، للأسباب الآتية:
استنزاف اقتصادي وعسكري إضافي.
توسيع دائرة المواجهة إقليميًا.
دفع الصين وروسيا وكوريا الشمالية إلى تنسيق أعمق.
فتح المجال أمام قوى دولية وإقليمية لإعادة ترتيب النظام العالمي.
بل إن مؤشرات عديدة توحي بأن بعض الدول الأوروبية نفسها بدأت، بهدوء، إعادة توجيه بوصلتها الاستراتيجية نحو الشرق، بحثًا عن توازن جديد في عالم لم تعد فيه الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا كما في السابق.
خاتمة
إن ما تشهده الولايات المتحدة اليوم لا يعني بالضرورة انهيار الدولة، لكنه يشير بوضوح إلى نهاية مرحلة تاريخية من الهيمنة الأحادية. فالإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تتآكل من الداخل، وتفقد قدرتها على الإقناع قبل أن تفقد قدرتها على الإكراه.
وإذا لم تُراجع الولايات المتحدة سياساتها الداخلية والخارجية، وتكف عن إدارة العالم بعقلية القوة المنفلتة، فإن ما نراه اليوم قد يُسجَّل لاحقًا بوصفه بداية النهاية لنظام استحوذ على العالم لعقود، ثم عجز عن فهم لحظة التحول.
المصادر والمراجع (توضع في نهاية المقال)
Freedom House, Freedom in the World Reports, Various Years.
V-Dem Institute, Democracy Report, University of Gothenburg.
International IDEA, Global State of Democracy Reports.
Levitsky, S. & Ziblatt, D., How Democracies Die, Crown Publishing.
Carnegie Endowment for International Peace, Reports on Democratic Backsliding.
Brookings Institution, Threats to U.S. Democracy, Policy Papers.
Fareed Zakaria, The Post-American World.
Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers.
Zbigniew Brzezinski, Strategic Vision: America and the Crisis of Global Power.
Financial Times & Reuters, Analyses on U.S. Global Leadership Decline.
ولايات المتحدة في مرحلة الانحدار البنيوي: من ذروة الهيمنة إلى بداية أفول القطب الأوحد /عباس النوري
📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.
