26 يناير، 2026
ألأخبارمقالات

العلم تحت المقصلة… والفساد خارج المساءلة/اد حسين عبيد الشمري

صورة من مقال: العلم تحت المقصلة… والفساد خارج المساءلة/اد حسين عبيد الشمري

في دولةٍ يُفترض أن تُدار بالعقل المؤسسي لا بالمزاج السياسي، يصبح هدم المؤسسات أخطر من هدم الجسور والطرق؛ لأن ما يُهدَم هنا ليس حجراً بل فكرة الدولة ذاتها. ما نشهده اليوم في إدارة الدولة العراقية ليس خللاً عابراً في السياسات، بل نمطاً مزمناً من القرارات المرتجلة التي تنقض مبدأ دولة المؤسسات من أساسه، وتعيد إنتاج الفوضى بلبوسٍ إداري وقانوني.

لقد طالت هذه السياسات، وبلا مواربة، شريحةً يُفترض أنها ركيزة البناء لا عبئه: أصحاب الشهادات العلمية. فحين تُحجَب مخصصات الخدمة الجامعية، لا يُمسّ دخل فردٍ بعينه، بل تُهان قيمة العلم نفسها، ويُبعث برسالة فظة مفادها أن المعرفة في هذا البلد ترفٌ يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة مالية، بينما تبقى الامتيازات غير المنتجة عصيّة على المساس. أي منطق هذا الذي يُعاقِب من أفنى عمره في البحث والتدريس، ويُكافئ شبكات الريع والولاء؟

أما تأخر رواتب الموظفين، فهو ليس مسألة محاسبية أو إجرائية كما يُروَّج، بل جريمة إدارية مكتملة الأركان. الراتب في دولة محترمة ليس منّةً ولا ورقة ضغط، بل حقٌّ مقابل عمل، وتأخيره يعني دفع الموظف قسراً إلى الاقتراض، وإرباك حياة عائلية قائمة على التزامات ثابتة: إيجار، أقساط، علاج، تعليم. الدولة التي لا تؤمّن انتظام رواتب موظفيها تفقد تدريجياً أي شرعية أخلاقية في مطالبتهم بالانضباط أو الإنتاج.

المشكلة الأعمق أن هذه القرارات لا تصدر ضمن رؤية إصلاحية شاملة، بل في سياق إدارة أزمة بلا مشروع دولة. يتم التعامل مع العجز المالي بعقلية القصّ من الأطراف الأضعف، لا بعقلية تفكيك منظومات الفساد التي استنزفت الخزينة لعقود. وكأن الدولة اختارت الطريق الأسهل: إنهاك المواطن بدل مواجهة الفاسدين.

وهنا تتجه الأنظار، منطقياً وأخلاقياً، إلى التشكيل الوزاري. فالمناصب ليست أوسمة شرف، بل تكليف ثقيل، وعلى عاتق هذه الحكومة تقع مسؤولية تاريخية:
إما الشروع الجاد في إعادة بناء الثقة عبر سياسات واضحة، عادلة، ومؤسسية،
وإما الاستمرار في إدارة التآكل البطيء للدولة حتى تتحول إلى هيكل بلا روح.

إن النهوض بما أثقل كاهل المواطن العراقي لا يبدأ بالشعارات، بل بقرارات شجاعة:
– إعادة الاعتبار للعلم وأهله بوصفهم استثماراً استراتيجياً لا بنداً قابلاً للحذف.
– ضمان انتظام الرواتب باعتباره خطاً أحمر لا يُمسّ.
– فتح ملفات الفساد الكبرى لا الصغيرة، ومحاسبة من تسبب فعلياً في إيصال البلد إلى هذا الحال، لا الاكتفاء بكباش فداء إعلاميين.

العراق لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى دولة تحترم نفسها أولاً. دولة لا تُدار بردّات الفعل، ولا تُصلَح على حساب مواطنيها الأكثر التزاماً. فإما دولة مؤسسات تُدار بالقانون والكفاءة، أو فوضى مقنّعة بقرارات رسمية. ولا منطقة وسطى بينهما

📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق قراءة المزيد