باطن الانسان لا يدرك بالعين والبصر بل يكشف ببصيرة الروح ومن لم يرزق نور التجلي ظن ان بواطن الارواح تقاس على ما هو عليه من ظاهر الافعال والاعمال ومن تلك المقدمة استهويت ان اسرد لكم مشاهد حقيقية حدثت اقل ما يمكن تسميتها مشاهد الرجوع لله .[#مشهد أول ] وسط صخب أصوات الضحك والنشوة المفرطة لدى جميع الحاضرين في ذاك المكان المتخفي بين الازقة عن عيون رجال الأمن والجهات المختصة وكأن هناك شخص يحمل كامرة يسلطها على أدق تفاصيل الحاضرين وما يفعلون وكيف يتحدثون حيث انقطع الصوت فجأة للعرض البطيء ومن بين تلك الوجوه المختلطة من رجال ونساء حيث اللون الاحمر للمصباح الذي يرسم ملامح البؤوس بين عيونهم ومصابيح الليزر تضرب هنا وهناك لتسلط الضوء على
شاب قارب الاربعين على عمره
وكان مرتادا لها منذ بلوغه
يتسكع مع أصدقاء يشبهونه ولم ينفك عنهم
غير مدركين لما هم عليه من حال مايفعلون
[#مشهد ثاني ] خرج هاربا مسرعا يتسلق الجدران الغير مرتفة ويركض بعد إن أمسكوا رجال الـشرطة بعظهم وفر أخرون
وراح متخفيا بين الازقة والبيوت وهو منتشيا للمخدرات محاولا الوصول لبيته بسرعة.
[ #المشهد الثالث 1] وصل داره في ساعة متأخرة من الليل فوجد زوجته المحتسبة لأمره قد افترشت مصلاها وتقرأ القرآن والى جنبها ولدهم “مهدي” ذو الاربع سنوات وكان نائما نائما
فضربها برجله وتعثر بها عامدا وصرخ بها مستهزأ
“اما تكفي عن جهلك هذا وتدركي بأن لا فائدة من عبادة لاجنة بها ولا نار”
[#المشهد الثالث 2] سقطت الزوجة على وجهها من شدة الضربة وصرخت به وهي باكية “انظر لنفسك والى ما اوصلك هذا السم الذي تنتشيه أما كفاك لقد اسرفت على نفسك”
أما حان الوقت لتدرك إن لك عائلة (زوجة وطفل بحاجة إليك)
غضب من كلامها وراح يضربها وهي تصرخ لا حول لها ولا قوة لتدافع عن نفسها
[#مشهد الثالث 3] استيقظ ولدهم مهدي وراح يصرخ ايضا فجرها عن ولدها وربط يديها ورجليها بحجاب كانت ترتديه
[#مشهد الثالث 4] حملها بين يديه نحو حمام كان في الغرفة ووضعها فيه ثم فتح الماء الساخن من أعلى رأسها في الحمام فأنزوت بزاوية صغيرة خوف الماء الساخن وهي تصرخ
[#المشهد الثالث 4] ثم راح مسرعا جاء بولده ورماه معها في الحمام ايضا وخرج من البيت
[#المشهد الرابع 1] راح يمشي في شوارع المدينة وهو غاضب لا يعي ماصنعه بزوجته المسكينة وابنه الوحيد وكأن الانتشاء انساه أياهم وبينما هو يمشي في الشوارع الفارغة من الناس بدأ الفجر يبزغ شيئا فشيئا
[ #المشهد الرابع 2] فجأة ارتفع صوت المؤذن من المسجد القريب منه لصلاة الفجر فجلس متكأ على جدار لأحدى المحلات القريبة من المسجد
[#المشهد الخامس1 ] خرج من بين الأزقة رجل ومعه طفلان لم يتجاوز أعمارهم السبع سنوات وكانا يتسابقان امام أبيهم راكضين نحو المسجد
[ #المشهد الخامس 2] نطق أحدهم محدثا اخيه
بصوت يسمعه ذلك الشاب البائس
أتظن انك تغلبني الى حيث الله؟
فقال له اخاه: نعم سأغلبك ليكافئني ربي
فحدثهم أبيهم من وراءهم: لماذا تركضان لدينا الوقت الكافي
فقال احدهم: ان الله ينادي علينا بالحضور عنده أليس انت مشتاق مثلنا للقاء الله
قال ابيهم: نعم ولكن كيف ستجدون الله
قال الاخر: لقد قالت لنا أمي إن صوت المؤذن نداء لنا بأن الله يدعونا ويرغب بحضورنا بين يديه وصلاتنا هناك تعني اننا حضرنا ولم نتغيب عن لقاءه ياأبتي وكان ذلك الشاب منصتا الى تلك المحاورة الرائعة بين الولدان وأبيهما
[#المشهد الخامس3] وكأن حديثهما صاعقة نزلت على رأس هذا العاصي قد أرجعته الى صوابه حتى بدأ يمسك رأسه بقوة ويبكي كأنه احس بالندم والفرق لما هو عليه وماعليه هذان الولدان
[#المشهد السادس1] تناسى امر زوجته وراح هائما على وجهه الى مكان خارج المدينة قرب سكة للقطار وصار يبكي ويصرخ نادما على نفسه وبدت حالته تسوء نفسيا وصحيا حتى اغمي عليه من شدة ما اخذ يضرب رأسه بالارض
[#المشهد السادس 2] بدأت الشمس تبزغ وتعلو في السماء ومر الوقت حتى بداية وقت الظهيرة
بدأت اشعة الشمس القوية تحرق جفنيه ووجنتيه بخيوط ضوءها وحرارتها ففتح عينيه مع صوت القطار المرتفع بالقرب منه فرجع إليه وعيه وقام وانصرف من مكانه كان خائفا بأن يرجع الى بيته
جال في مخيلته #مشهد متخيل( ان الشرطة والناس متجمعة امام داره لانتشال جثتي زوجته وولده بعد آن توفيا بسببه)
[#المشهد السابع1] راح ماشيا في ازقة المدينة تائها يتكتم على نفسه لعل هناك شخص يوصل له خبر زوجته وطفله
[ #المشهد السابع 2] انتهى به المطاف الى مدرسة دينية فيها مجموعة من طلاب العلم يتلقون دروسهم من احد العلماء الاعلام جلس بالقرب من شباك يطل عليهم من الخارج ينتظرهم حتى انتهى الدرس وخرجوا وبقي العالم لوحده فدخل عليه وهو بتلك الحالة الصعبة
[#المشهد السابع 3] كان يبكي بحرقة وألم بين يدي ذلك العالم تسبقه حسرات الندم الشديد
وقال منكسراً مطأطأ رأسه للارض: “يا سيدي، إني أسرفت على نفسي بالذنوب حتى أظلمت مشكاتي، واسودّ قلبي برانِ المعاصي، فكيف أتوبُ إلى الله وأطهر روحي من ذلك الدنس المهلك؟”.
نظر العالم من حوله، فأبصر قطعة قماش بالية متسخة، قد غلبت عليها الأيام حتى صارت مسودة
فأشار إليها قائلاً: ” بُني أتني بتلك الخرقة”.
فقام وأتى بها ووضعها بين يدي العالم
فقال العالم: “ما ترى في هذه القماشة ؟”.
قال المذنب بأسى: “أراها قطعة بالية، كستها القذارة حتى انعدمت نفعاً”.
فقال العالم: “انصرف ياولدي وعُد لي غداً لأجيبك على سؤالك”.
[#المشهد الثامن] ذهب الشاب وهو أيس خائف من أن ينكشف أمره وراح الى دار خارج المدينة غير مأهول ليبيت فيه
[ #المشهد التاسع ] قام في خلوته، وأخذ تلك الخرقة، فغسلها بالماء الساخن مراراً وتكرارا حتى انتزع بياضها الجميل وأنقى ثوبها، وجففها بنور الشمس، ثم قال لزوجته: طرزي فوقها أسماء الله بخيوط ملونة جميلة فتحولت من خرقة مسودة بالاوساخ مهملة إلى لوحة تسر الناظرين.
[#المشهد العاشر ]في اليوم التالي، عاد الشاب وايضا انتظر طلاب العلم حتى ينهوا درسهم فدخل الى العالم وجلس في مجلسه لوحدهما فبهرته تلك القطعة الجديدة وسحرت عينيه لشدة بياضها وما كتب عليها؛ وراح منشغلا عن الحديث مع العالم بالنظر اليها بدقة
نظر العالم إليه بأبتسامة ونظرة حانية ثم سأله : “أليست هي نفسها تلك الخرقة المسودة؟”.
التي ازدرئتها بالامس
صمت الرجل متعجباً،
تابع العالم بفيضٍ من الحكمة وقال: “يا بُني لقد غسلتُ سوادها بالماء حتى نطق بياضها، فكيف بالله لو غسل قلبك بدموع توبتك؟ إن كنتُ أنا المخلوق العاجز قد استخرجتُ هذا الطهر من ذاك الدنس، فما ظنك بالخالق القادر؟”
ثم استطرد العالم قائلا: “ياولدي، قلبك ليس أشد اتساخاً من هذه القماشة، أنت جئت طوعاً ترجو النجاة، من نفسك الأمارة بالسوء فثق أن من طهر هذه الخرقة بالماء، سيطهر قلبك ببرد عفوه وعظيم رحمته.” انهمرت دموع اليقين، بعيني الشاب المسكين، وخرج يصرخ بملء وجدانه وعالي صوته:
“اللهم إني أوكلت لك قلبي.”
[#المشهد الحادي عشر ]قرر الشاب أن يرجع الى داره ليرى ماحصل مع زوجته وطفله متحديا مايحصل له كفارة عن ذنوبه وكان الانكسار والندم قد بان عليه بشكل فضيع لا يصدق
[ #المشهد الثاني عشر] دخل وهو متلبدا يرتجف فجأة بصر زوجته في فسحة الدار قد وضعت قدر كبير مملوء بالماء وطشت تضع فيه بعض الملابس لغسلها وولدها الى جنبها يلهو بلعبة بيده
ففررح فرح لا يوصف ووقف بضع امتار امام زوجته وهو يطيل النظر لها ولولده ويبكي بكاء شديد ودموعه تنهار بغزارة على وجهه
هي كانت ايضا تنظر اليه بدهشه وتعجب للحالة التي هو فيها وغير غاضبة منه او ناقمة عليه
[ #المشهد الثالث عشر] بدأ يتحرك بخطوات صغيرة هادئة نحو زوجته الواقفة بلا كلام ولا حراك
حتى وصل إليها ألقى بنفسه تحت رجليها وراح يبكي بصوت مرتفع وهي مندهشة ساكتة
بعد لحظات رفع رأسه من امامها وراح يجلس في ذلك الطشت الذي أمامها واخذ الاناء الصغير ووضعه في يدي زوجته وهو يقول لها امسكيه بيديك الطاهرتين
(اغسلي قلبي وجسدي )
(طهريني من دنس ذنوبي)
( اغسلي سواد قلبي )
( اصنعي مني انسان صالحا يا حبيبتي )
( انقذيني مما انا فيه)
(طرزي فوق قلبي اجمل معاني الرجوع لله)
احست زوجته بندمه الصادق ورجوعه الى طريق الخير فجلست وبدأت تسكب الماء على رأسه وكتفيه وهي تبكي ايضا
[#المشهد الرابع عشر] سكت العبد الراجع التائب وبدأت الزوجة بالحديث معه فقالت
[ #مشهد متخيل] في تلك اللحظة التي تركتنا وولدك في الحمام والماء المغلي يتساقط بالقرب منا ونحن لائذون بزاوية الحمام طلبت من مهدي أن يغلق الماء فحاول ولم يستطع لان الماء ساخن يتساقط على يده كلما حاول غلق مفتاح الماء
عندها انهارت قواي وبدأت اشعر أننا إن لم نمت بالماء سنموت اختناقا من كثر الدخان المتطاير في الحمام فبدأت اصرخ بقلبي لا بفمي (يا فاطمة الزهراء اغيثيني ) حتى رددتها اثنا عشر مرة أحسست حينها إن قلبي يتقطع وينزف مع كل حرف اطلقه وفجأة توقف تدفق الماء من الاعلى وأحسست بشخص من نور وقفت امامي ومد يده
نحوي وقال اعطني يدكِ لنخرج قبل ان تختنقي فنهضت فرأيت الحجاب المربوط على رجلي ويدي
قد فتحت عقده وخرجنا انا ومهدي ورأيت هذا النور واقف جنب الشباك فأتيت نحوه مسرعة والقيت نفسي تحته ظنا مني اقبل رجليه فلم اجد سوى نور فقط لا اثر لجسد قلت لها من انت
اتاني صوت من ذلك النور قائلا: لا عليك بمن اكون
عندها صرخت بقلب منكسر متقطع اصلح لي زوجي فلقد تقطع قلبي من الحياة معه
فجاءني الصوت قائلا “أولم تصبري بعد؟ هل تقطع قلبك كما تقطع قلب الحسين في كربلاء؟ ام تقطع قلبك كما تقطع قلب زينب في الشام ؟
أدركتني لحظة ندم عجيبة لا وصف لها
احسست انني لازلت لم اتعرف الصبر مطلقا وما كان لي أن اقول ذلك الكلام ..
[ #المشهد الاخير] بكى الزوجان بكاء الندم الحارق للجفون والعيوم مع البدأ بفجر جديد لحياة جديدة وجد بها الشاب نفسه الضائعة في تيه دنيا فانية ليس هي الا ممر او طريق عبور اشبه بالنفق يقودك الى مقرك الدائم الخالد اما في جنة الرضوان او في سعير النيران كما ووجدت الزوجة نفسها بحاجة للكثير من نقاء الروح وتهذيب النفس بالصبر والتوكل على الله لكي تبلغ مبالغ الصابرين الذين ذكرهم الله بمجمل كتابه المجيد.
مشاهد الرجوع لله / وليد كريم الناصري
📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.
