19 يناير، 2026
أخبار الناصريةألأخبار

العطش يغير ملامح وخارطة القرى في ذي قار.. البقاء لمن يمتلك مسؤولًا

صورة من مقال: العطش يغير ملامح وخارطة القرى في ذي قار.. البقاء لمن يمتلك مسؤولًا

سارة القاهر ، أسماء الشعلان

بين عامي 2022 و2025، تعرضت أزهار محمد جاسم (41 عاماً)، وهي أم لستة أطفال، لثلاث عمليات إجهاض متتالية، بعدما كانت تضطر يومياً إلى قطع مسافة تقارب كيلومترين سيراً على الأقدام، حاملةً وعاءً على رأسها، بحثاً عما تبقى من مياه في الأنهار والمستنقعات البعيدة عن قريتها.

تسكن أزهار في قرية الجرية، (45 كيلومتراً) جنوب قضاء سيد دخيل في محافظة ذي قار، وهي إحدى القرى الأكثر تضرراً من موجات الجفاف التي بدأت منذ عام 2019، وتحولت مهمة تأمين المياه فيها إلى عبء جسدي يومي، تتحمله النساء، حتى أثناء الحمل.

“أنا مضطرة للخروج والبحث عن الماء، أطفالي بحاجة إليه”، تقول أزهار، التي أُدخلت إلى مستشفى بنت الهدى وسط مدينة الناصرية أكثر من مرة، وخضعت لعمليات جراحية بعد كل إجهاض، لكنها تؤكد أن “غياب الحلول أجبرني على الاستمرار في رحلات البحث عن مياه، رغم المخاطر الصحية”.

وفي وقت سابق، اضطرت عائلة أزهار إلى ترك أرضها الزراعية التي تبلغ مساحتها 25 دونماً، بعدما لم تعد صالحة للزراعة بسبب الجفاف. تقول وهي تشير إلى الأرض التي تحولت إلى شبه صحراء قاحلة :”كنا نسترزق من خيرات هذه الأرض، و اضطررنا إلى ترك زراعتها بعدما انقطعت كل مصادر المياه”.

إلى جانب شح المياه، تعاني قرية الجرية من غياب شبه تام للخدمات الصحية، فأقرب مستشفى يبعد قرابة 45 كيلومتراً عن بيوتاتها، والوصول إليه يتطلب استئجار سيارة، وهو أمر لا يتوفر دائماً، بحسب أزهار، أما المستوصف القريب، يفتقر هو الآخر إلى الأدوية، ما يضطر المرضى إلى شرائها من خارج القرية على نفقتهم الخاصة، حسبما تقول.

ومن أصل نحو 100 عائلة كانت تقطن قرية الجرية، لم يبقى اليوم سوى 21 عائلة فقط، من بينها عائلة أزهار، بعدما دفعت ندرة المياه وغياب الخدمات الأساسية والصحية معظم عائلات الجرية والقرى الأخرى إلى الهجرة نحو مدينة الناصرية أو محافظات مجاورة، بحثاً عن فرص عمل ومصادر للمياه.

يتتبع هذا التحقيق تأثير الجفاف وانحسار المياه على النساء في المناطق الريفية، وكيف اضطرت عائلات كثيرة إلى هجرة أراضيها الزراعية ومنازلها، في ظل غياب سياسة حكومية واضحة للحد من مخاطر الجفاف، كما يسلط الضوء على التفاوت الحاد في توزيع المياه والخدمات بين قرى متجاورة داخل القضاء الواحد.

قصة أزهار لم تكن الوحيدة من نوعها، لكنها واحدة من بين 38 شهادة لنساء ورجال جمعها فريق التحقيق خلال زيارات ميدانية إلى 22 قرية في محافظة ذي قار، جميعها تعاني من جفاف وهجرة شبه تامة.

لم تقتصر تداعيات الجفاف على العطش وهجرة السكان فحسب، بل فاقمت أيضاً اختلال التوازن البيئي، وأسهمت في تفشي الأفاعي السامة داخل القرى، وهو ما يؤكده المعلم علي ساجت (45 عاماً) الذي فقد شقيقته، وهي أم لأربعة أطفال، إثر لدغة أفعى في قرية جاسم عسكر، بعدما تعذر إسعافها إلى المستشفى في الوقت المناسب.

وفي قرية الجرية نفسها، تعرضت أم حمزة (46 عاماً) هي الأخرى للدغة أفعى أثناء قيامها بالأعمال المنزلية في بيتها الطيني، “أم الصليب لدغتني، حسيت بلهيب وبدأت أصرخ”، تضيف المرأة وهي تستذكر الحادثة.

وتؤكد أم حمزة أن انتشار الأفاعي، ولا سيما ما يعرف محلياً بـ”أفعى سيد دخيل” أو “أم الصليب”، قد ازداد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، مع شح المياه وارتفاع درجات الحرارة وتراجع النشاط الزراعي واختلال التوازن البيئي، ما جعل نساء تلك القرى أكثر عرضة لحوادث اللدغ بسبب طبيعة عملهن داخل المنازل وفي محيطها.

ما أسباب العطش
ما تعانيه القرى التي زارها فريق التحقيق ميدانياً في أقضية (سيد دخيل، الجبايش، الدواية) هو امتداد لأزمة مائية أوسع يشهدها العراق عموماً، والمحافظات الجنوبية على وجه الخصوص، نتيجة انخفاض الإطلاقات المائية من دول المنبع، ولا سيما تركيا وإيران، بسبب بناء السدود، إلى جانب سوء إدارة الموارد المائية داخل البلاد.

وقد أسهم تفاقم أزمة شح المياه في تقلص المساحات الزراعية وارتفاع معدلات التصحر في محافظة ذي قار، ما أدى إلى هجرة السكان، وتراجع إنتاج محاصيل زراعية رئيسية، مثل (الحنطة، الشعير، الشلب)، كانت تغطي جزءاً مهماً من السوق المحلية.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط، بلغ عدد السكان المخدومين بشبكات المياه الصالحة للشرب في المناطق الحضرية لذي قار عام 2024 نحو 1,347,367 نسمة، بينما لم يتجاوز عدد المخدومين في المناطق الريفية 314,705 نسمة، أي أقل من ثلث سكان الحضر.

ويشير الجهاز إلى أن أبرز مشاكل قطاع المياه في ذي قار تتمثل في عدم كفاءة المشاريع، وشح المياه الخام وتلوثها في المصادر، وقدم شبكات النقل وضعفها، فضلاً عن عدم قدرة المشاريع القائمة على سد حاجة السكان، وانتشار التجاوزات على شبكات المياه وضعف الوعي بترشيد الاستهلاك.

تعكس هذه المشاكل حجم الفجوة بين الاحتياجات المائية الفعلية وما يصل إلى المحافظة على أرض الواقع، وهو ما يؤكده مدير دائرة الموارد المائية في ذي قار، هاشم الأسدي، بقوله إن “كمية المياه التي تصل إلى رافد نهر الفرات المشترك بين محافظتي ذي قار والمثنى تبلغ نحو 71 متراً مكعباً في الثانية، تقسم بين مقدمة ونهاية ناظم الذيل، حيث يطلق نحو 35 متراً مكعباً باتجاه الأهوار، أي ما يعادل 50% من حصة ذي قار من رافد الاتحاد”.

ويشير الأسدي إلى أن هذه الإطلاقات لا تصل إلا إلى خمس وحدات إدارية، (الكرمة، الطار، المنار، الفهود، والجبايش)، إضافة إلى حصة الأهوار، مؤكداً أن “محدودية الحصص المائية تؤدي إلى حرمان القرى الواقعة في أطراف الأقضية والنواحي من المياه بشكل شبه كامل”.

“ومثل موسم الصيف الأخير أقسى موجة جفاف تمر على العراق ومحافظة ذي قار منذ 80 عاماً، إذ بلغت حصة المحافظة من رافد الاتحاد 28 متراً مكعباً في الثانية، وهي كمية تقسم بين الأهوار والوحدات الإدارية الخمس، ولا تكفي للزراعة، ما اضطر الدوائر المختصة إلى تحويلها بالكامل لمشاريع مياه الشرب”، يقول الأسدي.

ولا يخفي المسؤول الحكومي تأثر مناطق شمال المحافظة بشكل خاص بالعطش الشديد، ولا سيما المناطق الواقعة على جدول شط الكسر المتفرع من شط الشطرة، والذي يعد الشريان الرئيسي لري الأراضي الزراعية في ناحية أور وقرى عشائر الزيرج.

من جانبه، يؤكد قائممقام سيد دخيل السابق، حيدر الإبراهيمي، الشحة المائية التي يعانيها القضاء، موضحاً أن “انحسار التخصيصات المالية منذ عام 2024 حال دون تمكن الإدارة المحلية من إنشاء مشاريع مياه تخفف من معاناة المواطنين”، معرباً عن خشيته من عدم الحصول على تخصيصات مالية في عام 2026، ما يعني استمرار الأزمة.

و بشأن الجفاف والهجرة التي شهدتها قرى الجرية وجاسم عسكر وآل راضي، التي زارها فريق التحقيق، يبرر الإبراهيمي ذلك بأن “هذه القرى تقع في أطراف قضاء سيد دخيل، ما يجعل وصول المياه إليها أكثر صعوبة.”

بدوره، يقول عضو مجلس محافظة ذي قار، عبد الباقي العمري، إن “الحصة المائية للمحافظة شهدت تراجعاً ملحوظاً، إذ بلغت عام 2025 نحو 50 متراً مكعباً في الثانية، لكنها انخفضت فعلياً إلى ما بين 28 و35 متراً مكعباً في الثانية”، مشيراً إلى أن “هذا التراجع ترافق مع عدم ازالة التجاوزات على مجرى نهر الفرات”.

وينوه العمري إلى الفجوة بين ما يطلق من المياه وما يصل فعلياً إلى القرى، قائلاً “يطلق من مؤخر البدعة نحو 12 متراً مكعباً في الثانية، لكن المسافة التي تقطعها تقارب 30 كيلومتراً بالتالي تجعل المياه تتلاشى تدريجياً، ليصبح وصولها إلى السكان شبه معدوم”، مؤكداً أنه لولا موجة الأمطار التي شهدتها البلاد مؤخراً، لكان سكان محافظة ذي قار قد حرموا من مياه الشرب خلال عام 2025.

النساء يحملن العبء الأكبر
لم يكن غياب الماء في قرى الناصرية هو التحدي الوحيد الذي تواجهه نساؤها، فغياب التعليم والمؤسسات الصحية أو بعدها عن السكان جعل بقاء العائلات في هذه القرى شبه مستحيل، تقول الطالبة هاجر كتاب إنها “اضطرت لترك دراستها بسبب صعوبة الوصول إلى المدرسة”.

وتضيف هاجر، “أقرب مدرسة متوسطة كانت تبعد عن منزلي حوالي 8 كيلومترات، ولا توجد خطوط نقل لأن الطرق وعرة وغير معبدة في القرية”.

وتعاني المدارس القليلة التي بقيت في القرى من انخفاض كبير في عدد طلابها، ففي مدرسة “السادة الواقعة في قرية الجرية فقد انخفض عدد الطلاب من 300 في عام 2017 إلى أقل من النصف عام 2025”.

أما على صعيد الخدمات الصحية، يروي محمد نعمة، مدير مركز الصدرين الصحي الرئيسي في قضاء الدواية، قصة مأساوية لأم فقدت حياتها وجنينها بسبب وعورة الطريق وبعد المسافة عن المركز الصحي، قائلًا :”استقبل مركزنا حالات خطرة لنساء تدهورت صحتهن أثناء نقلهن إلى المركز، آخرها قبل أربعة أشهر، فقدنا أم وجنينها لوصولهما متأخرين.”

ويشير نعمة إلى أن “مركز الدواية الصحي، يفتقران إلى كادر نسائي متخصص في التوليد، ويقتصر العمل على القابلات فقط، بالتالي غالبية الحالات يتم تحويلها إلى مستشفيات الناصرية مركز المحافظة”.

ومن تداعيات شح المياه وغياب الخدمات الصحية، أن العبء الأكبر يقع على النساء، بحسب مستشارة سابقة لشؤون المنظمات في ذي قار، أمينة ذياب الرحمة، التي تقول :”الأم هي أول من يتضرر بيتها إذا نقص الماء، مقابل ذلك لا تحظى بأي رعاية صحية”.

وعن دعم المنظمات الدولية، تشير أمينة إلى أن “هذا الدعم، الذي كان يقدم سابقاً بشكل منتظم، قد تراجع خلال السنتين الماضيتين، رغم أن الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى”.

وفي السياق نفسه، تكشف الباحثة منار الماجد، أن النساء في المناطق الريفية والأهوار هن الأكثر تضرراً، إذ يعتمد اقتصادهن على الزراعة وتربية الحيوانات وصناعة المنتجات اليدوية، ومع تقلص المساحات المزروعة، تراجع دخل النساء وتهددت حياتهن الاقتصادية والاجتماعية.

وتضيف الماجد أن “النزوح الناتج عن شح المياه دفع العديد من الفتيات إلى ترك التعليم، فيما ارتفعت معدلات زواج القاصرات بين الأسر النازحة التي استقرت في مناطق هامشية أو مدن كبيرة، حيث يواجهون نقص الخدمات، ما يخلق بؤراً لمشكلات اجتماعية خطيرة”.

من أصحاب الأرض إلى “بيوت الحواسم”
مع اشتداد الجفاف، لم تعد العوائل، قادرة على الاستمرار في قراها، فاضطر كثيرون لمغادرة منازلهم وأراضيهم بحثاً عن فرص للعيش في أماكن أخرى، فقد غادرت 3,939 عائلة، بمجموع 16,776 فرداً، قراهم خلال الثلاث سنوات الأخيرة بسبب التصحر والجفاف، وفقًا لإحصائيات دائرة الهجرة والمهجرين فرع ذي قار.

من بين هؤلاء، حسنة أم علي، امرأة تبلغ من العمر 55 عاماً، تركت قريتها في الخويسة بقضاء الدواية، لتتخذ من بيوت الحواسم في قضاء الزبير بمحافظة البصرة مأوى لها ولعائلتها، بعدما جفت الأنهر وتوقفت صناعة القصب التي كانت تمارسها.

أم علي، توضح أن “ظروف العيش ازدادت سوءاً مع غياب الماء والخدمات الأساسية، وتحول القرى إلى بيئة مزدحمة بالأفاعي والقوارض، ما جعل الاستمرار فيها مستحيلاً”.

معاناة أم علي، والعوائل النازحة تفاقمت أيضا حتى أثناء هجرتها الى محافظة البصرة، إذ اشترطت الحكومة المحلية هناك على ضرورة امتلاك قطعة أرض باسم النازح مقابل موافقتها على منح العائلة بطاقة سكن، وهو شرط لم تستطع العوائل تحقيقه.

بالإضافة لبطاقة السكن يشير، أحمد عودة عبد الحسين، وهو نازح من الناصرية إلى البصرة إلى صعوبة العيش في العشوائيات التي تعاني من “إهمال كبير، خاصة في مجال الخدمات، ما دفع السكان إلى تأمين احتياجاتهم بأنفسهم، مثل مد أسلاك الكهرباء من المغذي الرئيسي إلى منازلهم بطريقة غير رسمية”.

مناشدات لا تلقى استجابة
وثق فريق التحقيق عشرات المناشدات التي أطلقها شيوخ ووجهاء (قرى العكرات، أبو حميد، الهنايس، العكرة، الذيبية، الشاطئ الأخضر، الشبنجي، أم الغزلان، الزبيدية، الهرانية، والنايف) في أقصى شمال مدينة الناصرية، إضافة إلى قرى (جاسم عسكر، الجرية، وآل راضي) في قضاء سيد دخيل، وقرى (الخويسة، شان حلاب، شان كبة، والحسجة) في قضاء الجبايش، طالبوا فيها بتوفير المياه وإنقاذ أراضيهم الزراعية من التصحر، إلا أنها قوبلت، بحسب السكان، بتجاهل رسمي مستمر.

تداعيات هذه الأزمة التي يطالب الأهالي بحلها، يشرح تأثيرها، مسؤول لجنة التصحر والجفاف في ذي قار، حيدر السعدي، الذي يقول إن “انخفاض مناسيب المياه يؤدي تدريجياً إلى تراجع الإطلاقات في الأنهر والجداول الفرعية قبل وصولها إلى المصادر الرئيسة، ما يتسبب ببدء الجفاف في المناطق البعيدة والمتداخلة، ولا سيما القرى الواقعة على الأنهر الفرعية”.

ويضيف السعدي أن “هناك محاولات حكومية لتنظيف الممرات المائية وإزالة التجاوزات والترسبات من ضفاف الأنهر والجداول بهدف إيصال المياه إلى المناطق التي تعاني من الجفاف وتداعياته، إلا أن هذه الجهود تصطدم بعجز مالي واضح تعاني منه المحافظة”.

وعلى خلاف ما يأمله أصحاب المناشدات، يقول السعدي إن “الإدارة المحلية لجأت إلى حلول مؤقتة، تمثلت بتخصيص سيارات حوضية بشكل أسبوعي لنقل مياه الشرب إلى القرى المتضررة، وذلك بعد فشل تجارب حفر الآبار في تلك المناطق.”

ويشير السعدي إلى أن الحكومة المحلية درست مقترح إنشاء بحيرات مائية صناعية في تلك القرى للحد من الهجرة وآثارها على المحافظة، إلا أن تنفيذ هذه الفكرة تعثر أيضاً بسبب قلة التخصيصات المالية.

وفي مقابل هذه التفسيرات والتبريرات الحكومية، تكشف وثائق حصل عليها فريق التحقيق عن وجود مشاريع خدمية مقترحة لمعالجة أزمة المياه، جرى تعطيلها دون تنفيذ.

فقد قدمت قائمقامية قضاء سيد دخيل، في عام 2021، حزمة مشاريع إلى الحكومة المحلية في ذي قار لمعالجة شح المياه في القضاء، تضمنت خمسة مشاريع بكلفة إجمالية بلغت 20 مليار دينار عراقي، إلا أن هذه المشاريع رفضت بذريعة عدم توفر التخصيصات المالية، كما تم رفض مشروع إنشاء وتأهيل الطرق الريفية في القضاء بكلفة 8 مليارات دينار.

وفي وثيقة أخرى تظهر مطالبة قائممقامية قضاء الدواية، في 23 تموز/يوليو 2025، بإنشاء مجمع ماء بطاقة 1500 متر مكعب في الساعة على نهر الجبيشة، وبكلفة تقدر بـ 12 مليار دينار عراقي، لمواجهة أزمة شح المياه التي يعاني منها القضاء، إلا أن المشروع لم ينفذ، دون توضيح أسباب الرفض أو التأجيل.

وأعلن مكتب محافظ ذي قار السابق، في شباط/فبراير 2025، عن إنجاز مشروع نصب محطة غليوين بطاقة تصريف بلغت 4.5 متر مكعب في الثانية، لتغذية شط آل إبراهيم بشكل عكسي من نهر الفرات عبر قناة آل ماجد بطول 19 كيلومتراً، ضمن الإجراءات الحكومية لمعالجة الشحة المائية في قضاء سيد دخيل.

يسهم هذا المشروع في إيصال المياه إلى العشائر والقرى الواقعة على جانبي قناة آل ماجد كل من (قرية الهصاصرة، وآل بو حمودي، الصليحات، آل مبادر، الچبيشات، آل خشاب، آل حسن، السيد محسن، آل ماجد، والعساجرة)، فضلاً عن زيادة التصاريف الداخلة لشط آل إبراهيم، وهي قرى تقع جميعها ضمن الرقعة الجغرافية ذاتها.

وخلال عامي 2024 و2025، شهدت قرى آل إبراهيم تنفيذ عدد من المشاريع الخدمية، من بينها صيانة مركز سيد ظاهر الصحي، إلى جانب مركز الكبص الصحي قيد الإنشاء، ووضع حجر الأساس لمركز آل بو حمودي الصحي.

وفي قطاع التربية، جرى تخصيص مدرستين من مشروع المدارس الصينية لصالح قرى آل إبراهيم دون غيرها، فيما شهد قطاعا المياه والكهرباء تعزيز مشروع شط آل إبراهيم عبر تزويده بمضخات إضافية، ونصب 50 محولة كهربائية في قرية واحدة فقط من قرى آل إبراهيم.

أما في قطاع الطرق، فقد تم انجاز طرق بطول 25 كيلومتراً شمل قرى آل إبراهيم والحصونة، إضافة إلى طريق داخلي بطول 76 كيلومتراً داخل قرى آل إبراهيم.

حاول فريق التحقيق التواصل مع دائرة الموارد المائية والبلدية ومكتب المحافظ للحصول على رد رسمي بشأن ما وصف أهالي القرى بـ”ظاهرة تمايز الخدمات”، إلا أن جميع الجهات امتنعت عن الرد، باستثناء قائمقام قضاء سيد دخيل جاسم محمد الإبراهيمي، الذي أقر بوجود “تمايز في بعض الملفات، ولا سيما ملف الكهرباء”، مؤكداً أنه يعمل على معالجتها ضمن صلاحياته.

من جانبه، يرى المختص في الشأن القانوني، مهند الكناني، أن أي تمايز تمارسه جهة رسمية بين قرية وأخرى، سواء في تقديم الخدمات أو توزيع المشاريع، يعد خرقاً صريحاً للدستور العراقي والقوانين النافذة، ويضع الجهة أو المسؤول المعني تحت طائلة المساءلة القانونية.

وتنص المادة (14) من دستور عام 2005 على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز، فيما تلزم المادة (16) مؤسسات الدولة بضمان تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، ما يجعل أي تفضيل مناطقي أو شخصي انتهاكاً مباشراً للنصوص الدستورية.

وعلى الصعيد الجزائي، يوضح الكناني أن هذه الأفعال قد تندرج ضمن جرائم إساءة استعمال السلطة وفق قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، ولا سيما المواد (329–331)، في حال ثبوت استغلال المنصب لتحقيق امتيازات غير قانونية أو الإضرار المتعمد بمصالح المواطنين.

وأشار إلى أنه إذا اقترن التمايز بالمحاباة أو الرشوة أو تحقيق منفعة شخصية، فإن ذلك يدخل ضمن “جرائم الفساد الإداري الخاضعة لقانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع، وقد تترتب عليها عقوبات جزائية وإدارية، تصل إلى العزل من الوظيفة، إضافة إلى المسؤولية المدنية المتمثلة بتعويض المتضررين”.

حلول لابد منها
“إعادة تنظيم توزيع الإطلاقات المائية تمثل المدخل الأساس لأي معالجة حقيقية، شريطة أن تتم وفق دراسات علمية واضحة تضمن العدالة بين المناطق، بالتوازي مع إزالة التجاوزات على مجاري الأنهار ومحاسبة الجهات المتسببة بالاستحواذ غير المشروع على المياه”، هو أحد الحلول التي يطرحها المختص في الشأن البيئي تحسين الخفاجي.

الخفاجي يضيف، أن “الاعتماد على الري السيحي التقليدي يفاقم الهدر المائي”، داعياً إلى “تبني تقنيات الري الحديثة كالتنقيط والرش، مع توفير الدعم الحكومي للفلاحين من حيث المعدات والتدريب، بما يضمن استدامة الإنتاج الزراعي وتقليل الاستنزاف المائي”.

وفي ما يتعلق بالتصحر، يؤكد الخفاجي ضرورة إطلاق برامج تشجير استراتيجية وإنشاء أحزمة خضراء حول القرى المهددة، إلى جانب استصلاح الأراضي المتدهورة وزراعة محاصيل تتحمل الجفاف والملوحة، محذراً من أن “تجاهل هذا الملف سيحول مساحات واسعة إلى بيئة طاردة للسكان”.

ويربط الخفاجي الحل البيئي بالبعد الاجتماعي، موضحاً أن “عودة السكان إلى قراهم لن تتحقق ما لم تقترن الإجراءات البيئية بحوافز اقتصادية وخدمية، تشمل دعم المشاريع الزراعية الصغيرة وتعويض المتضررين وتأمين الخدمات الأساسية”، مشدداً على أن “استمرار الإهمال سيحول النزوح المؤقت إلى هجرة دائمة”.

وتؤكد الخبيرة في شؤون المياه، شروق العبايجي، ما ذهب إليه الخفاجي، معتبرة أن معالجة أي أزمة مائية يجب أن تنطلق من رؤية استراتيجية شاملة للوضع المائي في العراق، تشمل تخصيص حصص عادلة لكل منطقة، مع مراعاة الاستدامة وعمليات درء الجفاف ومنع الكوارث.

ورغم كل هذه التحديات والمآسي، تظل أزهار محمد جاسم متمسكة بقرية الجرية، قائلة: “أهلنا وكاعنا هنا، وما عدنا غير هذا المكان”، مع ذلك، تستمر يومياً في السير على الطريق ذاته الذي خسرت فيه أجنتها الثلاث بحثاً عن الماء.

📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق قراءة المزيد