لطالما سادت الساحة السياسية والإعلامية في العراق موجات من الشعارات الرنانة التي تدعي محاربة الفساد والدفاع عن حقوق المال العام، وكان النائب السابق باسم خشان أحد أعلى الأصوات التي اتخذت من القنوات الفضائية ومنصات السوشيل ميديا منبراً لتوجيه الاتهامات يميناً ويساراً، لكن حين تضع العدالة يدها على الحقائق وتتحدث الوثائق القضائية الدامغة، تسقط الأقنعة وتنكشف الحقائق العارية؛ ليتبين أن الصراخ المرتفع لم يكن إلا صدى لألم الملاحقة القانونية واقتراب ساعة الحساب، حيث تُظهر الأحكام والقرارات الرسمية الصادرة ملاحقة هذا الصوت بالملفات الجنائية المدعومة بأوامر قبض صريحة وأحكام قضائية مصدقة تمييزياً طالت شبكته اللصيقة بالدليل والبرهان.
ولم تعد الملاحقات القانونية بحق النائب السابق مجرد تهم عابرة أو تحقيقات أولية، بل تُرجمت إلى أوامر قبض وتفتيش رسمية وصريحة صادرة عن محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا النزاهة بحق المتهم باسم خشان، مستندة إلى مواد قانونية تعكس خطورة التهم الموجهة إليه في الشكاوى المقامة ضده لدى هيئة النزاهة في مديرية تحقيق بغداد؛ إذ صدر الأمر القضائي الأول في القضية رقم ١٥٤٣ بتاريخ ٢٠٢٦/١/٢١ وفق أحكام المادة ٣٤٠ من قانون العقوبات المتعلقة بإحداث الضرر عمداً بأموال ومصالح الجهة التي يعمل فيها، وتبعه أمر ثانٍ في القضية رقم ١٠٨ بتاريخ ٢٠٢٦/١/٢٦ وفق أحكام القرار ١٦٠ لسنة ١٩٨٣ المعدل، وهي المادة التي تعاقب كل موظف أو مكلف بخدمة عامة طلب أو قبل لنفسه منفعة لأداء عمل من أعمال وظيفته، مما يؤكد تفكيك خيوط استغلال النفوذ وتحويل المنصب البرلماني إلى أداة للضغط وتحقيق المكالمات الشخصية.
وفي سياق متصل، حسمت المنظومة القضائية أحد أخطر ملفات الابتزاز المرتبطة بخشان؛ حيث أصدرت محكمة جنايات الكرخ (الهيئة الثالثة) في الدعوى رقم ٦٣٧/ ج٣ /٢٠٢٦ بتاريخ ٢٠٢٦/٢/٢٤ حكماً وجاهياً وبالاتفاق يقضي بالحبس الشديد لمدة سنتين وغرامة مالية قدرها مليون دينار بحق المجرم (حيدر سعيد موسى)، وذلك عن جريمة قيامه بالتوسط لطلب مبالغ مالية من المستثمر مالك كامل مطشر لصالح المشكو منه باسم خشان مقابل عدم عرقلة العمل بمشروع بوابة المثنى السكني الاستثماري في محافظة المثنى عام ٢٠٢٣. وجاء هذا التجريم الفاصل وفق أحكام المادة ٣١٠ الشق الثاني وبدلالة المادة ٣٠٨ من قانون العقوبات، بعد أن ثبت للمحكمة طلب مبلغ ١٢٠ مليون دينار كإتاوة مقابل إطلاق القروض الخاصة بالمشروع، وهو ما تسبب بعرقلة استلام المستحقات وإلحاق خسارة مادية فادحة بالمستثمر تقدر بمليار وسبعمائة مليون دينار. وتكشف شهادات المسؤولين مثل مدير دائرة التسجيل العقاري في المثنى سلام نعيم عبد الله ومدير عام هيئة استثمار المثنى عادل داخل محمد ومدير المصرف العقاري في المثنى حسين فاضل محمد كيف قام باسم خشان بالضغط والتدخل السافر وتصوير أوليات القروض ونشرها عبر مواقع السوشيل ميديا، فضلاً عن إقرار المتهم حيدر سعيد بمطالبته بمبالغ مالية كـ”حشم عشائري” مقداره ١٠٠ مليون دينار في جلسة عشائرية مقابل إنهاء الدعاوي والمشاكل. ولم يتوقف هذا الملف عند محكمة الجنايات، بل إن محكمة التمييز الاتحادية (الهيئة الجزائية) أصدرت قرارها في الدعوى رقم ٦٣٧/ج٣/ ٢٠٢٦ بالعدد ٨٩١٠/الهيئة الجزائية/٢٠٢٦ وبتسلسل ٣٧٠٧ بتاريخ ٢٠٢٦/٤/١٥، والذي قضى بتصديق كافة قرارات محكمة جنايات الكرخ الصادرة بحق المجرم حيدر سعيد موسى لموافقتها القانون أصولياً ورد الطعن التمييزي المقام من وكيله المحامي احمد سعيد.
وامتدت الإدانات القضائية المتلاحقة لتطال أفراد الشبكة اللصيقة بخشان؛ إذ أصدرت محكمة جنح الكرخ المختصة بقضايا النزاهة في الدعوى رقم ١٢٥/ج/٢٠٢٥ بتاريخ ٢٠٢٦/١/٥ حكماً حضورياً يقضي بحبس المدان (قاسم دخيل كشيش) بسيطاً لمدة سنة واحدة وفق أحكام المادة ٣٣٧ من قانون العقوبات. وأثبتت وقائع القضية أن المدان، المعين بصفة حماية رسمية ضمن ملاك مجلس النواب للنائب باسم خشان بموجب الأمر المرقم ٧١٨ في ٢٠٢٢/١/٣١ وحتى إنهاء عقده بالأمر رقم ٣٧٤٥ في ٢٠٢٤/٦/٣٠، قام بممارسة أعمال التجارة والجمع بين الوظيفة الحكومية وإدارة وتأسيس شركات تجارية ومقاولات برؤوس أموال مليارية مثل شركة “خيرات القاسم للتجهيزات الزراعية” البالغ رأس مالها ملياري دينار وشركة “الفنار لإدارة المطاعم” وغيرها. واستغل المدان هذا النفوذ للحصول على الإجازات الاستثمارية المرقمة ٤٠٢ و٤٠٣ و٤٠٤ بتاريخ ٢٠٢٢/٦/١٤ من هيئة استثمار المثنى خلافاً للقانون والضوابط التي تمنع موظفي ومنتسبي الدولة من إدارة الشركات المفوضة في القطاع الخاص، وهو ما أكده التقرير التدقيقي لهيئة النزاهة بمكتب تحقيق المثنى بتاريخ ٢٠٢٥/٨/٢٧.
إن العناوين العريضة التي كان يتستر خلفها باسم خشان تهاوت أمام عدسة القضاء والوثائق الدامغة الصادرة من محاكم النزاهة والجنايات والمصادق عليها تمييزياً، فالوثائق لا تكذب والأحكام التي سطرت الإدانة والتصديق بحق وسيطه وشريكه وأوامر القبض الصادرة بحقه أثبتت أن صراخه الإعلامي المستمر لم يكن دفاعاً عن مظلومية أو كشفاً لفساد، بل كان خط دفاع هجومي استباقي لغرض التغطية على ملفات الابتزاز واستغلال الحمايات والإضرار العمدي بملفات الاستثمار، واليوم وبقوة القانون يثبت القضاء مجدداً أن “الصراخ كان على قدر الألم” وأن دولة المؤسسات كفيلة بوضع حد لكل من يظن أن منبره الإعلامي يجعله فوق سلطة الحق والقانون.