مقالات

حين تتكلم الأقدام… ويسكت الانقسام /د. علي الخُزاعي

ليس من السهل أن نمرّ على لحظةٍ كهذه مروراً عابراً، وكأنها مجرد فوزٍ في مباراة.
ما حدث لم يكن هدفين في شباك الخصم، بل كان مشهداً لوطنٍ بأكمله وهو يستعيد صوته، ويعلن حضوره بعيداً عن كل محاولات التفرقة.

أن يأتي الفرح من قدمين عراقيتين، إحداهما لعلي حمادي، والأخرى لأيمن حسين، فذلك ليس تفصيلاً عابراً، بل صورة مكثفة لحقيقة أكبر… أن العراق، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادراً على أن يجتمع.

في تلك اللحظة، لم يكن هناك من يسأل عن مذهب اللاعب، ولا عن خلفيته، ولا عن أي انتماء ضيق.
كان الاسم الوحيد المكتوب في ذاكرة الجمهور هو: العراق.

حين يسجل العراقي، تتلاشى كل المسميات الأخرى، وتسقط كل التصنيفات التي حاولت أن تفرض نفسها لسنوات.
ويبقى صوت واحد فقط… صوت الفرح، وهو ينتقل من قلب إلى قلب، ومن بيت إلى بيت، من زاخو إلى الفاو، دون أن يعترضه شيء.

هذه ليست مباراة كرة قدم، بل لحظة وعي.
لحظة تذكير بأن ما فشل في تمزيقنا طوال السنوات الماضية، لن ينجح اليوم ونحن نلتقي على حب هذا الوطن، ونفرح له معاً.

نعود بالذاكرة إلى عام 2007، حين كان فوز العراق بكأس آسيا أكثر من مجرد إنجاز رياضي.
كان آنذاك بارقة أمل في زمنٍ مثقل بالجراح، وجسراً أعاد للعراقيين شعورهم بأنهم شعب واحد، رغم كل ما حاول أن يفرقهم.

واليوم، يتكرر المشهد… لكنه أكثر نضجاً.
لم نعد بحاجة إلى من يذكّرنا بوحدتنا، بل أصبحنا نراها بأعيننا، ونشعر بها في كل لحظة فرح جماعي.

تأهل الأبطال ليس مجرد إنجاز كروي يُضاف إلى سجل الرياضة العراقية، بل هو رسالة واضحة لكل من راهن على انقسامنا.
رسالة تقول إن هذا الشعب، مهما تعرض للضغوط، لا يمكن كسره، ولا يمكن إعادة زرع الطائفية في روحه من جديد.

كرة القدم هنا لم تعد مجرد لعبة تُلعب في تسعين دقيقة، بل أصبحت لغة وطن.
لغة صادقة، لا تعرف الكذب، تقول إن العراق لا يُختصر بطائفة، ولا يُقاس بانتماء ضيق، بل يُبنى بأبنائه جميعاً، بكل اختلافاتهم التي تتحول في لحظات الصدق إلى مصدر قوة لا ضعف.

وإذا كان هدفان قد جمعا القلوب بهذا الشكل، فماذا لو قررنا أن نحافظ على هذه الروح خارج الملعب أيضاً؟
ماذا لو أصبحت هذه الوحدة سلوكاً يومياً، لا مجرد لحظة عابرة مرتبطة بمباراة؟

هنا فقط، نكون قد فهمنا الرسالة جيداً.

لأن الحقيقة التي لا تقبل التأويل:
العراق ليس طوائف… بل وطن.
وما دام في هذا الوطن من يفرح للآخر كما يفرح لنفسه، فسيبقى واحداً… مهما حاولوا.

📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.
Share