عرّاب العراق الجديد /يوسف السعدي


شكّلت سيرة السيد عبد العزيز الحكيم محطةً محوريةً داخل المشهد السياسي العراقي الحديث، إذ ارتبط اسمه بمرحلة التحوّل الكبرى التي أعقبت انهيار نظام صدام حسين.

برز بوصفه شخصية جمعت بين العمق الديني والخبرة التنظيمية والقدرة على إدارة التوازنات المعقدة، ضمن سياق التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003، ظهر الحكيم باعتباره أحد أبرز صناع المرحلة الانتقالية، مستنداً إلى إرث علمي متجذر في بيئة النجف.

ولد الحكيم داخل مدينة النجف، في بيت المرجعية الذي قاده والده المرجع الكبير الامام محسن الحكيم، فانعكس ذلك على تكوينه الفكري المبكر، إذ تداخل التعليم الحوزوي مع وعي سياسي متنامٍ فرضته ظروف الصراع الداخلي، هذا الامتزاج أنتج شخصية تميل نحو الانضباط العقائدي والبراغماتية الواقعية، وهو ما ظهر لاحقاً خلال سنوات المعارضة خارج البلاد.

خلال عقد الثمانينيات والتسعينيات، شارك الحكيم ضمن نشاطات تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، مستفيداً من وجود قوى المعارضة في إيران آنذاك، مثّل العمل المعارض مدرسةً عمليةً عززت خبرته القيادية، خاصة بعد استشهاد شقيقه محمد باقر الحكيم عام 2003، الأمر الذي وضعه مباشرة أمام مسؤولية قيادة مشروع سياسي واسع.

عند عودة القوى السياسية إلى الداخل، برزت لحظة مفصلية نقلت الحكيم إلى موقع الوسيط المعتمد بين المرجعية الدينية والقوى السياسية، حين التقى المرجع الأعلى علي السيستاني قيادات المعارضة، مؤكداً اعتماد التواصل عبر الحكيم حصراً، وهو موقف كشف حجم الثقة الممنوحة له وقدرته على إدارة التوازن بين الشرعية الدينية والحراك السياسي.

اعتمد الحكيم منهجاً قائماً على وحدة الموقف الوطني، إذ لم يتعامل مع التحالفات بوصفها صفقات ظرفية، بل اعتبرها أدوات استقرار طويل الأمد، هذا التصور الاستراتيجي انعكس في دعمه لتشكيل الائتلافات الكبرى وصياغة الدستور الجديد، مع تركيز واضح على إدماج المكونات داخل بنية الدولة الحديثة، لقد حاول نقل الصراع من منطق السلاح إلى منطق المؤسسات، مستفيداً من شبكة علاقات إقليمية ودولية معقدة.

سياسياً، عُرف الحكيم بقدرته على احتواء التناقضات، فكان يوازن بين خطاب الهوية ومتطلبات الدولة، وبين تطلعات الجمهور وضغوط الواقع، لم يكن حضوره خطابياً فقط، بل إدارياً تفاوضياً، يعتمد قراءة دقيقة للمرحلة، هذه القدرة جعلته لاعباً أساسياً في ترسيخ النظام السياسي بعد التغيير.

لاحقاً، استمر تأثير مدرسته السياسية عبر نجله عمار الحكيم،  الذي سعى إلى تطوير الخطاب السياسي نحو مساحات أوسع من الاعتدال الوطني، محافظاً على إرث التوازن الذي تركه والده.

شكلت تجربة السيد عبد العزيز الحكيم نموذجاً لقيادة نشأت داخل مدرسة دينية، ثم تحولت إلى فاعل سياسي مؤثر خلال أخطر مراحل الدولة العراقية الحديثة، حيث تداخلت المرجعية مع السياسة، وتشكلت معادلة جديدة ما زالت آثارها حاضرة في مسار العراق المعاصر.

📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.
nasiriyah4

آخر الأخبار

سرية عمرو بن أمية الضمري من خلال نور اليقين 40 – / معمر حبار

قال الكاتب: "جلس أبو سفيان بن حرب يوما في نادي قومه فقال: ألا رجل يذهب…

25 فبراير، 2026

الاب السياسي للديمقراطية العراقية /محمد جواد الميالي

​لم يكن سقوط النظام في نيسان 2003 مجرد تبدل في المشهد السياسي، بل كان زلزالاً…

25 فبراير، 2026

عزيز العراق.. رحيل لن يطفئ دفئ وجودك /أحمد الحسني

من بيوت كانت غرس من السؤدد وثمار من المجد، أمات الشعارات الفوضوية الجوفاء القائمة على…

25 فبراير، 2026

(الوسيلة الثانية للحرب الناعمة) /بقلم : محمد المياحي

ثانيًا: التفرقة وتعزيز الانقسامات: التفرّق والتجزئة والانقسام من أشدّ وسائل الحرب الناعمة تدميرًا للمجتمع؛ لأنّها…

25 فبراير، 2026

بلدية الناصرية تؤكد تكثيف جهودها لمعالجة الملفات الخدمية والبيئية

شبكة اخبار الناصرية:أعلنت بلدية الناصرية عن تكثيف جهودها لمعالجة الملفات الخدمية والبيئية في المدينة، خلال…

25 فبراير، 2026

مديرية ماء ذي قار تستضيف اجتماع مجلس حماية وتحسين البيئة  لمواجهة التحديات البيئية

شبكة اخبار الناصرية: عقد مجلس حماية وتحسين البيئة جلسته الأولى لعام 2026 في مقر مديرية…

25 فبراير، 2026