بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ الخلقِ محمدٍ، وعلى آلهِ الطيبين الطاهرين.
أمَّا بعدُ…
لا تقف حدودُ الوسائلِ المستخدمةِ في الصراعات، بكافّة أدواتها، عند مستوىً معيّن؛ إذ إنَّ عاملَ الزمان وطبيعةَ المجتمعات هما اللذان يُحدِّدان نوعَ الحرب ووسيلتَها، ويمكن عدُّها حاجةً عصريّةً مُلحّةً للصراعات في كلِّ مرحلةٍ زمنية.
وإذا ما أردنا تصفّح التأريخ الخاص بالحرب العالمية الأولى (1914م – 1918م)، فإننا سنجدها تتسم بصفات وسمات مغايرة عمّا بعدها من الحروب الكونية؛ ويعود السبب في ذلك إلى العقيدة العسكرية المستخدمة آنذاك، إذ نجد أنَّ أهم خصائصها وطبيعتها كانت قائمة على السعي لخلق نوعٍ من الاستنزاف، من دون التعويل على تحقيق نصرٍ سريع أو عاجل. علاوةً على ذلك، اتسمت بما يُعرف بحرب الخنادق، التي أفضت إلى خسائر بشرية كبيرة، مع بدائية المعدات (الرشاشات، الآليات، الطائرات… إلخ)، فضلًا عن ضعف التنسيق بين القوة البشرية (المشاة) والاختصاصات الأخرى، مقارنةً بما تلاها من حروب.
أمّا في الحرب العالمية الثانية، فقد بدأ الأمر يختلف عمّا كان عليه في الحرب الأولى؛ إذ تحولت فلسفة الصدام من البطء إلى السرعة والمباغتة المنسّقة عالية الدقة، ثم برز مبدأ اختراق الجبهات على نحوٍ يُفاجئ العدو. ويُضاف إلى ذلك التطور النوعي الذي شهده مجال الطيران، والاتصالات الحربية، ونوعية القنابل – ومنها القنبلة الذرية – والرادارات، ورفع مستوى التنسيق بين مفاصل الجيوش… إلخ.
والمتتبِّع لما أفرزته الصراعات العالمية بعد الحربين الأولى والثانية سيجد ظهور أنواعٍ مستحدثة من التطور النوعي في مجال الحروب، شكَّلت قيمةً مضافةً لما سبق؛ إذ باتت استراتيجيات مثل الطائرات المسيّرة، وحروب الصواريخ الموجّهة، والأسلحة الكهرومغناطيسية، من أبرز ما يُعوَّل عليه في النزاعات والتحديات، حتى أصبح التسليح والإنتاج العسكري ضمن هذه الرؤية هو الفيصل، على رأي كثيرٍ من المختصين.
ومع تسارع سباق التسلّح، ظهرت تشكُّلات صدامية أخرى من نوعٍ مختلف، تتسم بهدم منظومة العدو بأقل كلفة وأدنى خسائر، من بينها: الحرب الباردة، والحروب النفسية في المجال العسكري، وحروب وسائل الإعلام، والحرب السيبرانية، والحرب الناعمة، وهي محلّ بحثنا في هذا الكتاب.
ومن هنا، أمسى التنوع في الحروب ضرورةً تلجأ إليها الجهات المتصارعة؛ وتأسيسًا على ذلك برزت الحرب الناعمة كحاجةٍ مُلحّة في الأعوام الأخيرة، بوصفها قوةً فاعلة، فضلًا عن قلّة كلفتها مقارنةً بالحرب الصلبة (العسكرية) في تغيير كثيرٍ من المعادلات.
ومن الجدير بالذكر أنَّ مفهوم الحرب الناعمة يُعد إفرازًا واضحًا لما دعا إليه منظّرها الأول، البروفسور الأميركي جوزيف س. ناي، في مؤلفه القوة الناعمة؛ إذ مزج بين استراتيجيتَي الحرب الناعمة والحرب الصلبة، مع التنبيه إلى أنَّ هذا المفهوم كان حاضرًا عبر التاريخ، ولكن بدرجةٍ أقل تعقيدًا، كما سيأتي بيانه لاحقًا.
ومن اللافت في هذا المصطلح ديناميكيته السريعة تجاه التطور في المفاهيم التي تنضوي تحته، مثل: الصحافة، والإعلام، وشبكات التواصل، والتطبيقات والبرامج الإلكترونية، والتجمعات… إلخ.
وقد كانت البداية مع مطلع سنة 1991م، في الحقبة التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، وطغيان نزعة الشعور الأميركي بالانتصار في الحرب الناعمة، بالتزامن مع صدور كتاب مفارقة القوة للمؤلف نفسه.
ويرى كثيرٌ من المختصين أنَّ مفهوم الحرب الناعمة يُعد مفهومًا مستحدثًا اخترق ميادين السياسة والثقافة والفكر في السنوات الأخيرة، وهو تشكُّل ينسجم مع تأريخ التوترات والصدامات، ولعلَّ من أقرب مستويات هيمنة هذه الظاهرة الهيمنةُ الأيديولوجية.
ومن حيث طبيعة هذه الحرب، فإنها تتسم بالسرية التي تسيطر على توجهات وميولات الفئة المُستهدفة. ومن الجدير بالإشارة أنَّ لهذه الحرب قابليةً مرعبةً في التحكم بالفئات المستهدفة عبر غسيل الدماغ، والاختراق الثقافي، والاستهداف الفكري. وبما أنَّ هذا النوع من الحروب يحاكي التحايل والخداع، فإنَّ توجهه غالبًا ما ينصبّ على عقول الشباب؛ لما تمتلكه هذه الفئة من اندفاع وتسرّع وقلّة تجربة. وعليه، لا يمكن القضاء على أهداف هذه الحرب بسهولة أو يُسر، إلّا عبر الوعي الذي يُنتَج بوساطة القراءة الجادّة، والاطلاع الموسّع، والتفاعل مع أصحاب العقول الراجحة.
ومن الجدير بالذكر أنَّ الحرب الناعمة تحتاج إلى عملٍ مؤسساتيٍّ لمواجهتها؛ ومن هنا سعت بعض الدول، ومنها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى إنشاء مؤسسات متخصصة لهذا الغرض، تُحاكي غرف العمليات. ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، بل خُصِّصت كليات ومعاهد ومراكز تدريبية خاصة، فضلًا عن عقد العديد من الندوات والحوارات والمؤتمرات، وإصدار الكتب والدوريات للتعريف بهذه الحرب وسبل الوقاية منها.
مدخل لمفهوم الحرب الناعمة/ محمد المياحي
📲
تابع قناة أخبار الناصرية على تلغرام
تصلك الأخبار العاجلة والمواد الحصرية مباشرة على هاتفك.