مديرية بلدية الناصريةللاعلان هنا


أهدنا الصراط المستقيم / الجزء الثاني بقلم : عبود مزهر الكرخي

Sun, 31 Mar 2019 الساعة : 18:56

الرأي الثاني :
الأنبياء والأئمة عليهم السلام :
وهذا الرأي يتبناه العديد من علماء وفقهاء الأمامية وهو رأي واقعي لأنه لو رجعنا إلى كتاب الله الحكيم حث يقول { يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا }(1).
وفي هذا الرأي أن نعود الى ما ذكرناه في جزئنا الأول وحديث أبي عبد الله الصادق من معرفة أمام زمانه في الدنيا واقتدى بهداه مر على صراط الآخرة أي صراط جهنم وفاز فوزاً عظيماً ولهذا أكدت الأمامية على وجوب معرفة أمام زمانه واعتبرته من أصول الدين ليكون له  جواز مرور على الصراط وبالتالي كان الرأي الأول هو القرآن العظيم والذي يعني هو ولاية أهل البيت والذين هم القرآن الناطق وفي الأول لندخل إلى الرأي الثاني لنعرف الارتباط بين الرأي الثاني وعدم انفصالهما عن بعض . ومن هذه الآية التي ذكروا المفسرين في أغلبهم ان هناك أئمة هدى وأئمة ضلال فأئمة الضلال من أمثال فرعون وعاقر ناقة صالح وغيرهم وهذا مصداق لقول الله سبحانه وتعالى فيقول { ...فقاتلوا أئمة الكفر}. ليكون في يوم القيامة أن يدعو كل هؤلاء الأئمة حيث يقول في محكم كتابه { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم }(2).
{ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}(3).
ومن هنا يتم التمييز بين ائمة الظلال والكفر وأئمة الهدى ولهذا كما سمّى جل وعلا جماعةً آخرين – أيضاً – أئمة ولكن يُقْتدى بهم في الضلال، وإنهم يدعون إلى النار، وأضافهم إلى الكفر، وأمر بقتالهم لعدم وفائهم بأيمانهم كما في قوله تعالى: { فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ }(4)، وقال تعالى:{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ}(5).
والسؤال هو ما المراد من أئمة الهدى، وأئمة الضلال ؟ فمعلوم أن أئمة الهدى والحق هم الذين يجتبيهم الله ويختارهم في كلّ زمان لهداية أهله، أنبياء كانوا كإبراهيم الخليل ومحمد الحبيب(صلى الله عليه و آله) أو غير أنبياء كأوصياء الأنبياء السابقين، وكأئمة الهدى من آل محمّد(صلى الله عليه و آله) وهم جميعاً يدعون الناس إلى الهدى بأمر الله لا بأمرهم ويقدّمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم، ويؤيدهم الله سبحانه بالمعجزات وخوارق العادات التي يجريها على أيديهم لتكون دليلاً على صدقهم، وأئمة الضلال والباطل هم الذين تسلّطوا على الناس بالقوة، أو اتخذهم بعض الناس أئمة واختاروهم واقتدوا بهم في الدنيا بدون تشريع وإذنٍ خاصٍ من الله ورسوله، وهؤلاء يدعون إلى النار لأنهم يقدمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم وأهواء اتّباعهم خلاف ما في كتاب الله، والله تعالى يقول: { وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأْرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ }(6).
ولنرجع الى فاتحة الكتاب فأما الأنبياء فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله في تفسير هذه الآية) ((الْعَيَّاشِيُّ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَلَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فَقَالَ: «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ [يُثَنَّى فِيهَا الْقَوْلُ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم: إِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ] مِنْ كَنْزِ الْعَرْشِ، فِيهَا:
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ الَّتِي يَقُولُ [فِيهَا]: وَإِذٰا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ نُفُوراً.
وَاَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ دَعْوَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، حِينَ شَكَرُوا اللَّهَ حُسْنَ الثَّوَابِ.
وَمٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ جَبْرَئِيلُ: مَا قَالَهَا مُسْلِمٌ قَطُّ إِلاَّ صَدَّقَهُ اللَّهُ وَأَهْلُ سَمَاوَاتِهِ.
إِيّٰاكَ نَعْبُدُ إِخْلاَصُ الْعِبَادَةِ. وَإِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ أَفْضَلُ مَا طَلَبَ بِهِ الْعِبَادُ حَوَائِجَهُمْ.
اِهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الْيَهُودُ وَ(وَغَيْرِ الضَّالِّينَ) النَّصَارَى».‏))(7).
واما الأئمة عليهم السلام فقد ورد عنهم عليهم السلام: ((نَحْنُ وَاللَّهِ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ))(8).
ولهذا عد أن يُقرّ الإِنسان بالتسليم لربّ العالمين، ويرتفع إلى مستوى العبوديّة لله والاستعانة به تعالى، يتقدّم هذا العبد بأوّل طلب من بارئه، وهو الهداية إلى الطريق المستقيم، طريق الطّهر والخير، طريق العدل والإِحسان، طريق الإِيمان والعمل الصالح، ليهبه الله نعمة الهداية كما وهبه جميع النِّعم الأخرى. والإِنسان في هذه المرحلة مؤمن طبعاً وعارف بربّه، لكنّه معرّض دوماً بسبب العوامل المضادّة إلى سلب هذه النعمة والانحراف عن الصراط المستقيم. من هنا كان عليه لزاماً أن يُكرِّر عشر مرّات في اليوم على الأقلّ طلبه من الله أن يقيه العثرات والانحرافات.
أضف إلى ما تقدّم أنّ الصراط المستقيم هو دين الله، وله مراتب ودرجات لا يستوي في طيّها جميع النّاس، ومهما سما الإِنسان في مراتبه، فثمّة مراتب أُخرى أبعد وأرقى، والإنسان المؤمن توّاق دوماً إلى السير الحثيث على هذا السلّم الارتقائيّ، وعليه أن يستمدّ العون من الله في ذلك.
عن الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، في تفسير ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ قال: أي: "أَدِمْ لَنَا تَوْفِيقَكَ الَّذِي أَطَعْنَاكَ بِهِ فِي مَا مَضى مِنْ أيَّامِنَا، حَتَّى نُطِيعَكَ في مُسْتَقْبَلِ أَعْمَارِنَا"(9).
وقال الإِمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: "يَعْني أرْشِدْنَا لِلزُومِ الطَّريقِ الْمُؤَدّي إلى مَحَبَّتِكَ، وَالْمُبلِّغِ إلى جَنّتكَ، وَالْمَانِعِ مِنْ أَنْ نَتّبعَ أَهْواءَنَا فَنَعْطَبَ، أو أَنْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلَكَ"(10).
    ولهذا فأن المراد من الإمام في الآية إمام الحق مع الكتاب والسُنّة، فقد روى شيخنا الصدوق في (عيون أخبار الرضا)، والطبرسي في (مجمع البيان) قال بما نصه: ويجمع هذه الأقوال ما رواه الخاص والعام عن الرضا علي بن موسى(عليه السلام) بالأسانيد الصحيحة أنه(عليه السلام) روى عن آبائه عن النبي(صلى الله عليه و آله) انه قال فيه: { يُدعى كل أُناسٍ بإمام زمانهم، وكتاب ربّهم وسُنّةَ نبيهم }(11).
وهذا الحديث الشريف ممّن رواه من العامة السيوطي في (الدر المنثور) قال: وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): [يوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ] قال { يُدعى كل قومٍ بإمام زمانهم وكتاب ربّهم وسُنّة نبيهم }(12).
وسنة النبي هي اتباع الأئمة المعصومين الذين خلفاء الله في الأرض بعد جدهم النبي محمد (ص) ولهذا فأن الصراط واحد وليس عدة طرق كما يفهم من ذلك ومن هنا فأن" القرآن الكريم لم يَرِد فيه الصراط بصيغة الجمع أبداً بل انه إذا أراد جمعه فيما وقع في مقابل الصراط، عبّر عنه بالسُّبُل، مثل قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)(13) وذلك لأن الصراط إلى الله تعالى واحد وإنما له متعلقات ومصاديق متعددة فإبراهيم النبي صراط إلى الله وموسى وعيسى وسائر الأنبياء وعلى رأسهم النبي المصطفى محمد صلى الله عليه واله وسلم كل منهم صراط إلى الله تعالى وكذلك كل واحد من الأئمة عليهم السلام.
وبكلمة أخرى: اننا نطلب من الله تعالى ان يهدينا للصراط المستقيم عند مواجهة كل موضوع مستحدث، ذلك ان الإنسان كثيراً ما يواجه تحديات مصيرية وتكون أمامه خيارات صعبة فما هو الصراط المستقيم الذي يرضي الله تعالى فيها؟ "(14).
ومن هنا فان الهداية للصراط هي كلمة جامعة ولكنها لا تكتمل إلا بالأيمان بالأنبياء والأئمة وبالأخص بنبوة نبينا الأكرم محمد(ص) والأئمة المعصومين من بعده وهي تمثل رأس الأيمان وسنامه والذين  بالأيمان بهم يتم الجواز على الصراط بولاية الأمام علي والأئمة من بعده والذين هم لديهم مواريث الأنبياء وخزائن علم السماوات والأرض وهم القرآن الناطق الذي يسير في الأرض ولهذا جاء حديث الأمام علي والمشهور بخطبة سلوني قبل ان تفقدوني حيث يقول { سلوني قبل ان تفقدوني هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله هذا ما زقني رسول الله زقاً زقا, سلوني فإن عندي علم الاولين والاخرين...سَلُونِي ، فَوَ اللَّهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ ، وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ؛ فَوَ اللَّهِ مَا مِنْهُ آيَةٌ إِلا وَأَنَا أَعْلَمُ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ ، أَمْ بِسَهْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِجَبَلٍ }(15).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Share |
غرفة تجارة الناصرية