مديرية بلدية الناصريةللاعلان هنا


درس في النزاهة من بائع الشوكولاتة. /مضر الحلو.

Sat, 5 Jan 2019 الساعة : 1:28

 

رأيته في محطة وقود الكرار في النجف الاشرف، استفزتني لهجته المكتنزة براءةً وصدقا (عمي ما تشتري مني). 
كان طفلا لم يتجاوز العقد الاول من عمره، وهو يحمل بيديه الغضتين علبة الشوكولاتة من النوع الرخيص. إستملحت لهجته التي تجبرك على أن تعيره اهتمامك، وتمنعك أن تتجاهله. بل لا يترك لك مجالا سوى أن تسأله عن حاله، سألته:
-هل لك أب؟
-نعم.
-وماذا يعمل؟
-هو مثلي يبيع المناديل الورقية في الشارع.
-هل لك أم؟
-نعم.
-ماذا تعمل؟
-تساعد أبي في عمله.
-هل عندكم بيت؟
-نعم، اشترينا مؤخرا بيتا، واقترضنا عليه كثيرا، وها نحن جميعا نعمل كي نسدد الديون.
كنت واثقا به، ومطمئناً من صدق لهجته، قلت له:
-إقبل مني هذا المبلغ البسيط هدية بيتكم الجديد. فكانت المفاجأة التي لم أكن أتوقعها من طفل مثله، إمتنع بقوة عن قبول المبلغ!
-لماذا لا تقبل الهدية؟
-أبي منعني أن آخذ مالاً من أي أحد، قائلاً لي: لا أرضى عنك، وصلاتك غير مقبولة فيما لو قبلت مالاً من أي إنسان بلا مقابل.
حاولت أقناعه، فلم أُفلح أمام رفضه الشديد.
-(عمي ترضى صلاتي متنقبل)؟ بهذه اللهجة المشحونة عزةً وعنفوانا كان يواجه بائع الشوكولاتة إغراء المال. 
كان يبيع الشوكلاتة كل أربعة بألف دينار. كنت أحاول أن أحتال لمساعدته بعد أن عجزت في إقناعه بأخذ مبلغ دون مقابل. قلت له: طيب، إذن دعني أشتري منك واحدة بألف بدل الأربعة.
-لكن أبي سيحسب المحصول فيراه زائدا عما ينبغي أن أحصل عليه، وحينها لن يرض عني، وصلاتي لن تقبل، هل ترضى بأن لا تُقبل صلاتي؟
-قلت له، ويلك لقد أعيت معك الحيلة، إذن كيف لي أن أساعدك؟ 
قال ببراءة الأطفال: عمي، سأعطيك أربعة بألف، وسوف آكل أنا واحدة، فأكون قد كسبتُ واحدة من دون أن يكون عندي مبلغ زائد.
صورة مشرقة من آلاف الصور التي تحفل بها الحياة العامة للعراقيين. لها دلالاتها التي لا يمكن تجاهلها. 
ما زال العراقيون فيهم خامة صالحة يجني عليها الفاسدون من السياسيين. وإلا لما ترك هذا الطفل وأضرابه مقاعد الدراسة ليتسللوا الى سوق العمل. درس في الصدق وعفة النفس يقدمه بائع الشوكولاتة.

Share |
غرفة تجارة الناصرية