معاهد واعداديات التضامن تعلن عن فتح القبول للعام الدراسي ٢٠١٦-٢٠١٧مزايا
مجلس محافظة ذي قارالمفوضية المستقلة للانتخابات في ذي قار


(الچكليتة) التي جعلتني شيوعياً/ فالح حسون الدراجي

Tue, 4 Apr 2017 الساعة : 11:45

بمناسبة الذكرى الثالثة والثمانين لميلاد
الحزب الشيوعي العراقي

في عام 1968 كنت طالباً في الصف الأول متوسط، وقد كنت أدرس وقتها في ثانوية قتيبة للبنين في مدينة الثورة. تلك الثانوية العظيمة التي تخرجت منها نخب رائعة من مبدعي العراق في الشعر والرواية والفن والرياضة. وأذكر إن الطالب محمد عبد الكريم (وهو حي يرزق أطال الله في عمره)، قد استقبلني عند باب المدرسة في صبيحة يوم ربيعي، باسماً ودوداً كعادته، ليمد لي يده مصافحاً، متمتماً ببعض الكلمات التي تشبه كلمات التهاني في الأعياد والمناسبات المفرحة، ثم يدس في يدي (چكليتة) هامساً بأذني:
(اقرأ ما كُتب فيها)!!
فتحتُ (الچكليتة)، وإذا بي أجد فيها شريطاً رفيعاً ملفوفاً، كُتِبَ فيه سطرٌ بقلم الحبر الأحمر العريض: (المجد والخلود لشهداء الحزب الشيوعي)!!
وقتها لم أكن أعرف ماذا يعني أن يقدِّم لي زميلي هذه (الچكليتة) الأنيقة في ذلك الصباح الربيعي دون غيره من الصباحات الأخرى، كما لم أفهم سبباً لتدوين تلك الجملة في ذلك الشريط، بل لم أكن أعرف الموضوع برمته!! لكني رغم ذلك، أدركت أن ثمة شيئاً غير طبيعي يقف وراء هذه العملية، وأن هناك أمراً مهماً دفع الفتى محمد عبد الكريم للمخاطرة، والوقوف في باب المدرسة، وتقديم هذه (الهدية الخطيرة) لبعض الطلاب.
لم أكن شجاعاً وقتها لأسأل زملائي، فيما إذا كان أحدٌ منهم قد حصل مثلي على هذه الهدية البسيطة، لذلك بقيت محتفظاً بالسر، حتى عودتي للبيت.
وفي عصر نفس اليوم عرفت الموضوع بكل تفاصيله، حين ذهبت الى ساحة اتحاد فيوري (مستشفى الإمام علي حالياً)، والتقيت بعدد من الزملاء والأصدقاء الذين كانوا بعمري تقريباً، ومنهم الشاعر الكبير كريم العراقي، والقاص المبدع داود سلمان، والقاص والروائي المبدع عبد جعفر الساعدي، وغيرهم، حيث علمت أنهم تلقوا أيضاً مثل هذه (الچكليتة)، وأنهم وجدوا فيها ذات الشريط، لكن بعناوين مختلفة، مثل (عاش نضال الطبقة العاملة)، وتحية للذكرى الرابعة والثلاثين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي)، وغيرها من الشعارات الوطنية والإنسانية ..
وبطبيعة الحال، فإن تلك الليلة لم تمر عليَّ مثل بقية الليالي التي سبقتها، إذ بقيت أفكر كثيراً بتلك (الچكليتة)، وبشجاعة، وجسارة الفتى محمد، رغم سنه الذي لم يتجاوز الخامسة عشر.
كما رحت أفكر بالسبب الذي جعله يختارني دون غيري من مئات الطلاب الآخرين في المدرسة.. وإذا كانت هذه الهدية لا تقدَّم إلاَّ للأشخاص (الثقة)، كما قال لي بعدها أصحابي، فهل هذا يعني إني كنت محل ثقة.. وما معنى الثقة، وكيف تتكون في مثل هذه القضايا، بمعنى كيف يقدّر ويعرف الحزب الأشخاص الذين هم محل (ثقة)؟
بعد ذلك اليوم المهم المصادف 31 آذار من عام 1968، لم يعد اسم الحزب الشيوعي عندي مثل غيره من الأسماء، إذ بتُ اتوقف عنده وأتابعه باهتمام، وأبحث عن المقصود في ورود اسمه بتلك الصفحة، أو الجريدة، او الراديو. كما رحت أقرأ كل ما يقع في يدي حوله، وعنه، وقد ساعد في ذلك وجود أصدقاء وأقارب تقدميين، ساعدوني كثيراً في توفير الكتب المتعلقة بالأدب والثقافة التقدمية، فضلاً عن وجود مكتبة جيدة في متوسطة المصطفى (التي نقلنا اليها نحن الطلاب الساكنين في منطقة الچوادر)، حتى كنا أنا وكريم العراقي في منافسة شديدة على استعارة الكتب المختلفة من هذه المكتبة. وقد حدث موقف طريف بيني وبين كريم عام 1969 حول أحد كتب هذه المكتبة، لا مجال لذكره هنا.. لذلك تمكنت من قراءة عشرات الكتب المهمة في السياسة والأدب بحيث بت مؤهلاً لفهم الحزب الشيوعي.
وبعد أربعة أعوام على ذلك اليوم الذي تلقيت فيه (چكليتة) الحزب، انتميت (للشبيبة الديمقراطية). وقد كانت الشبيبة آنذاك بمثابة مدرسة فكرية وعملية لإعداد شيوعيي المستقبل، ثم انتميت للحزب بعد سنة واحدة من عضويتي في أتحاد الشبيبة الديمقراطية، لأصبح عام 1973 واحداً من الذين تشرفوا بعضوية الحزب الشيوعي العراقي. ورغم مرور تسع وأربعين سنة على تلك (الچكليتة)، فإن طعمها لم يزل حلواً في فمي، وأريج ذلك الشعار يعطر مسامات روحي حتى هذه اللحظة، حتى إني -اعتزازاً واحتراماً -صرت أوزع (الچكليت) بنفسي يوم الواحد والثلاثين من آذار، كلما سنحت لي الظروف، وكأني أريد أن أفي ديناً بذمتي، أو ربما هو اعتراف بفضل مزروع كالوردة في قلبي لا يذبل، ولا يريد أن يروح.
لقد بات الاحتفال بيوم الواحد والثلاثين من آذار كل عام عندي طقساً، بل واجباً وطنياً وأخلاقياً ونفسياً لم أنسه، أو أتخلى عنه مهما كانت الظروف.. وإن كان هذا الاحتفال يأخذ أشكالاً متنوعة، فتارة أحتفل لوحدي، وتارة نحتفل سوية مع رفاقنا، وأصدقائنا، وكثيراً ما احتفل مع أسرتي في البيت.
وأذكر مرة مجنونة، احتفلت بعيد ميلاد الحزب أنا والشاعر الكبير كاظم إسماعيل الكاطع والصديق العماري سلام الجراح في المعسكر ونحن جنود! ولعل الشيء الأهم، إني أشارك بانتظام في ميلاد الحزب الشيوعي منذ عام 1973 الى يومنا هذا بقصيدة، أو بأغنية، أو بمقالة.
أرأيتم ماذا فعلت بي تلك (الچكليتة) السحرية ؟!

Share |

أضف تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
هيئة استثمار ذي قاراتحاد رجال الاعمالبيئة ذي قار