مع استثمار الكهرباء سنصنع انجازا يعيد الامل
مجلس محافظة ذي قارالمفوضية المستقلة للانتخابات في ذي قار


محنةُ آلفكر ألأنسانيّ(6)/عزيز الخزرجي

Wed, 8 Mar 2017 الساعة : 10:14

لا نسعى في هذا البحث طرح رؤيتنا النظريّة لتحديد و تعريف ألقيم و آلمعايير حول تشكيل ثقافة إجتماعيّة رصينة تعلو على الأفكار و العادات القومية و الطائفية و الحزبية و حتى الوطنيّة و العقائدية الهجينة, بل نسعى بعد إكمال هذا (المنهج) و المشروع الأهمّ و الأكبر في تأريخ الفكر الأنسانيّ كإمتداد للمنتدى الفكري؛ نسعى لعرض الخطوات التطبيقية لتحقيق هذا المشروع ..

لذا أرجو من أهل الفكر و المثقفين الذين يعنيهم هذا الأمر بآلدّرجة الأولى .. ألتأني و آلتحمل و الصّبر و المثابرة لوعي الموضوع ثمّ الجّهاد للتّخلص من الفساد الذي شكّل آلبناء التحتي للمجتمعات البشريّة كجزء لا يتجزأ من وجودها و منها العربية و الأسلامية بشكل خاص و العالمية بشكل عامّ, تلك المحنة التي بدأت و تعمّقت بسبب الأهمال الكبير في علاج (ألأنا) المتأصل بالأنسان و الذي تعود إليه كلّ الخبائث و المنكرات,التي تتغذى من منبعهِ آلشّيطان الذي يُعادي آلحبّ و آلأمن و العدالة و يُنمّي الكراهيّة و آلأنتصار للذّات و العشيرة و الوطن خارج الأفق الأنساني ..

آملين من ذلك تحقيق حياة سعيدة ملئها الحب و الوئام و الرّفاه و آلأمن الذي قرّرهُ الباري تعالى لنا بشرطها و شروطها.

إعتماداً على ما طرحناه سابقاً, نجد أنّ الزمن و تحولاته و كلّ ما يطرأ عليه من تغيرات سياسيّة و اجتماعيّة و اقتصاديّة و دينيّة .. أو تغييرات على مُكوّن من مكوناتها؛ يُؤثر بشكلٍ أو بآخرٍ على البناء الثقافي و بآلتالي في ناتج المجتمع الثقافي، ففي عصر ألأنحطاط ألممتد من القرون الغابرة بإستثناء فترة قصيرة واحدة منها فقط؛ تعظّم ألصّغائر و تتلهى الشعوب بلقمة عيشها و إتقاء أرهاب و ظلم الحاكمين، و تبتعد في نفس الوقت عن الإنتاج الثقافي و القراءة و قضايا الفكر و تعتبرها نوعاً من الترف و آلّلامبالاة، و في عصور آلقوة و آلأمن يزدهر الإنتاج الثقافيّ و المعرفي و ?
 ?تلاقح آلأفكار و تزدهر الشعوب و ترتقي ثقافيّاً و حضاريّاً, و إنّ (القويّ هو الذي يكتب التاريخ) كما يقولون.

و في الحقيقة لم يتحقق هذا العصر سوى في فترة زمنية محدودة جداً بآلقياس إلى تأريخ البشرية الطويل الممتد لعشرة آلاف سنة, فآلذي أسموه بآلأزدهار ألثقافيّ أو العمرانيّ في بعض العصور التأريخيّة السابقة التي سُمّيتْ بآلحضارات, كـ (آلبابلية و الآشورية و الفرعونية و الفارسية و الهندية و الصينية) و حتى "الحضارة" الحديثة(حضارة عصر ما بعد المعلومات), هي في الحقيقة حضارات مُزيفة لا تُحقق سوى إبعاد الأنسان عن أصله و كينونته و هدفه  الذي خلق لأجله, و لم تكن عصور إزدهار أبداً بحسب معايير منهجنا؛ بل  مثّلت و تمثل عصور الأنحطاط و التردي و التسلط و تعبيد الأنسان للخلU
 ?فة و السّلطان و الملك أو لنظام آلمجموعة الحاكمة التي بيدها الجيوش و الأساطيل و المال و الحقوق بغير عدالة و إنصاف تحت غطاء الديمقراطية التي أصبحت السلاح الأمضى لكبت و إسكات أي صوت يطالب بآلحقوق و لكبح جماح أي ثورة أو أعتصام يقام بدعوى أن المتسلطين منتخبين ديمقراطيّاً و لا يحق الأعتراض عليهم, لأنها إعتراض على "الشرعية"!

كيف يُمكن أن نطلق على العصورٍ التي إستغلّتْ الأنسان بأسوء صورة و حوّلته إلى مجرّد عامل أو موظف دؤوب أو مقاتل مكافح أو مجتهدٍ خانع يسعى بإمتياز لتحقيق أهداف الملك أو السّلطان أو الخليفة أو الحزب الحاكم لأسعادهم و من يحيط بهم من الأداريين و العسكريين على حساب حقوق عامة الناس؛ كيف يمكن أن نطلق على مثل تلك العصور بعصور التمدن و التحضر!؟

لهذا أسميتُ "حضارات" تلك العصور في منهجنا بعد أن تيقّنت من حقيقتها بآلتفصيل بـ (آلحضارات الجاهليّة) التي خلّفت قصوراً و آثاراً باتت أطلالاً لم يطئها سوى أقدام المستكبرين الحاكمين, بعكس جميع الحاكمين و معهم المؤرخين و الأكاديميين و مثقفي السلطة الذين تبجّحوا و إفتخروا بها جهلاً و غباءاً بحقيقة تلك الحضارات التي ما حقّقت سوى المنافع الشخصية للملوك و السلاطين!

قصة خروج و عودة مومياء رمسيس الأول أحد فراعنة مصر لها دلالات تصب بإتجاه تحجيم الوعي الجماهيري و تسطيحه لدى شعوب العالم من قبل الحاكمين, حيث تمّ نقله و إستقباله من قبل رؤوساء الدول الكبرى كأمريكا و فرنسا و أنكلترا و كأنه كان ملكاً حياًّ, و الغاية من كل تلك السيناريوهات .. كانت لترهيب الناس و تذكيرهم بمكانة و قداسة الفراعنة و زرع الخوف في نفوسهم, و كأن هؤلاء الفراعنة المجرمين مقدسون للأبد و لهم قيمة كبرى في الحياة و بعد الممات .. و لا بدّ من إحترامهم و أحترام أقرانهم في كل الأحوال, و هكذا حدث لمومياء مصر الفرعون الآخر (رمسيس الثاني) عام 1981م حين طلب الرئU
 ?س الفرنسي (فرانسو ميتران) من مصر إستضافته لأجراء فحوصات مختبرية عليه, و هناك عند سلم الطائرة أنحنى الرئيس الفرنسي و وزراؤه و كبار المسؤوليين الفرنسين لأستقبال فرعون مصر و كأنهم يستقبلون ملكاً حياً.

و عندما إنتهت مراسم الأستقبال الملكي لفرعون في فرنسا, حُمل إلى المتحف المركزي في باريس لأجراء الفحوصات المختبرية عليه, و بعد الأنتهاء تمّ إعادته طبقا للمراسيم التي تقام بتوديع أي ملك أو رئيس, و قد تمّ نقله مباشرة للعالم عبر وسائل الأعلام المرئية و المسموعة, لأحياء و تجديد حضارات الخوف و الأرهاب و الظلم في العالم على يد أتباعهم.

إنّ الحضارات ألعلميّة الراقيّة تسعى لتحقيق الأمن بدل الأرهاب والخوف بين أبناء المجتع الأنساني بلا أستثناء و لا تسعى فقط لتحقيق القصور و المال و السعادة و الأبهة و القدسية للطبقة الحاكمة, و إنّ وجود مظلوم واحد – أكرّر مظلوم واحد في المجتمع – يُدين كلّ النظام الحاكم و من معه من رأسه و حتى أخمص قدميه مهما كانت مدّعياته و متبنياته و أعلامه و قصوره عالية و أمواله كثيرة و جيوشه مسلحة!

بصراحة لم تُحضى البشريّة منذ هبوط آدم(ع) و الى يومنا هذا بفترات طويلة من القوة المعرفية و الثقافية, بل إبتلى الناس على مرّ التأريخ و على الدوام بعصور الأنحطاط و العبودية و التسلط و القهر و الأرهاب و الفرعنة, و لم نرى الكثير من الأنتاج الثقافيّ المعرفيّ و آلعلميّ الحقيقيّ إلا ما ندر, و لو كان ظهر في فترة من الفترات كانت لأجل الملوك و الفراعنة, لذلك ما زلنا نكابد الظلم و الفقر و التشريد و الأرهاب و التآمر على هذا المنهاج!

بل دعني أوضح الحقيقة أكثر و بصورةٍ أدقّ؛ من خلال العصور "الأسلامية" التي نشطت فيها (الحركة الفكرية و الترجمة و التأليف و التأريخ و بعض العلوم), كآلعصر العباسي أو من سبقهم أو لحق بهم حتى تأسيس الدول الحديثة .. إنّما أقيمت تلك الحركات لا لأحياء الفكر آلأنساني؛ بل بهدف أعلاء مكانة الحاكم و تقوية سلطته الشخصيّة و إعلاء قصوره لأجل المزيد من النهب و الفساد و شراء ذمم اؤلئك المؤرخين و الكتاب و المترجمين بثمن بخس, هذا رغم إن بعضهم كان يعلم بأنه لم يعد سوى بوقاً من أبواق الحاكم, لكنها الأنا و حب الذات التي بقيت متأصلة بهم فنسوا الله و ما فرضه عليهم!

تصوّر أين وصلت الخسّة و الدّناءة و الأنحطاط بأفضل عالم عباسي لا يستطيع أحد أنكار علومه و باعه في علم البلاغة و النحو و المنطق و الفلسفة و غيرها كـ (عبد الله بن روزبه) المعروف بـ (إبن المُقفع), الذي صرف سنة كاملة من عمره و هو يحاول بأمر من الخليفة تأليف قرآن مشابه للقرآن الكريم لتكذيب خبر الوحي و فحوى الرّسالة الأسلامية و معجزة القرآن, لكنه في الأخير إستسلم و إرتدّد على عقبيه و أعلن فشله في تحقيق ذلك, رغم إن الخليفة العباسي وفّر لهُ أمكانات هائلة و أموال طائلة مع مجموعة من الحشم و الخدم في بيت كان يشرف على نهر دجلة!

هذا نموذج واحد فقط للمفكر و العالم السلطويّ؛ نموذج من عدد كبير من النماذج الفكريّة و العلمية التي سخرّتْ وجودها و كرامتها و علمها لأجل رفع مكانة و قدسية الحكام و الخلفاء .. بدل الحقّ الذي ذاب في ليال الطرب و الأنس و الشهوة التي كان يقيمها الحاكم على حساب حقوق الناس و باسم الله!

في عصر الأنحطاط و الأرهاب الذي نعيشهُ آلآن أيضاً  .. يتكرر نفس الشيئ كإمتداد للعصور السّابقة؛ حيث تركزت أفكار النّاس و قادة الأحزاب على كيفيّة الفوز بآلسلطة كغنيمة, و لا تهم الوسيلة مهما كانت غير شرعية أو لا أنسانية تتضارب مع القيم!

المهم هو الفوز الذي يُبرّر التعاون مع المجرمين و الفاسدين و القتلة و حتى المستكبرين لأجل الفوز بآلسّلطة, حتى لو سبّب دحر القيم الأنسانيّة و الحقوقيّة و قلب مبادئ العدالة و المساواة و كما هو واقع الحال اليوم في معظم بلاد العالم و منها العراق!

في عصر الأنحطاط أيضاً؛ تُركز الأحزاب و الأئتلافات ألمُدعية  للدِّين و الوطنيّة و القوميّة و الديمقارطيّة .. بل و المستمية في الظاهر على الأنسان و الوطن من خلال الأعلام؛ تُركّزعلى كيفيّة و ضرورة التوحد مع بعضهم البعض لتحقيق الفوز و للسيطرة و الهيمنة على الحكم الشموليّ, من دون النظر إلى مطالب عامّة الشعب أو الأمة في تحقيق العدالة الأجتماعية, و لا تحسب أيّ حساب أو نظر  لماهيّة و فلسفة النظام و الأهداف التي تريد الوصول إليها من خلال تطبيقات النظام السياسيّ – الأجتماعيّ  كبديل أمثل!

و بما أنّ (الثقافة) هي آلأساس و المؤثّر الفاعل في  تشكيل و صيرورة (الفكر) الذي يُعكس على الواقع من خلال السلوك الأقتصادي و السياسي؛ فإنّ الفكر يتأثر سلباً أو إيجاباً بالثقافة و رقيها أو انحطاطها أيضاً, و من هنا فأنّ فساد الأحزاب و الأئتلافات ما كانت أنْ تكون لولا أنّها كانتْ من الأساس تؤمن بثقافة منحطة و فقيرة من الناحيّة الثقافيّة, بسبب متبنياتها العقائديّة و الفلسفيّة  و الموروث الفكري الذي لا يمت إلى أصول الأسلام بشيئ, و لا ترتبط بأحكام الرّسالات الألهيّة العظيمة التي هي أساس و منبع كلّ الثقافات الأنسانيّة و العدالة الأجتماعية التي جسدها سيد ا
 لعدالة الكونية الأمام عليّ(ع)!؟

يتبيّن هذا بوضوح في أفكار ألشّهيد المظلوم (علي شريعتي) الذي عشق الحقّ و ضحّى بنفسه من أجله, بعد ما رفض الأيمان و العمل بالدِّين التقليدي الذي شاع و دأب عليه فقهاء السُّنة و الشيعة و غيرهم من الفرق العقائدية و السّماوية التي .. و رغم تأريخها الطويل و التراكم "الثقافي"الهائل؛ إلّا أنّها ليس فقط بقيتْ و ما زالت تدور و تُراوح  مكانها في حلقات مفرغة من دون تحقيق أنجاز على أرض الواقع فيما يخص العدالة الأجتماعية؛ بل بآلاضافة لذلك سبّبتْ ظهور الأنظمة و الحركات الأرهابية و تسلط الظالمين على زمام الأمور, بل وسبَّبَ هذا الوضع المضطرب نقد ألدِّين بكونه لا يصل?
 ­ للحياة السّياسية و الأقتصاديّة و يفيد مسائل العبادة و الحيض و النفاس, لذا يجب إبعاده و فصله عن الحياة الأجتماعية و السياسية العملية, و إعتقدوا بحاجتنا إلى "ثورة" مشابهة لما حدث في القرون الوسطى للتخلص من الدين الأسلامي كما تمّ التخلص من المسيحية, مع إن أسباب رفض المسيحية إبان القرون الوسطى كانت بسبب ظلم الكنيسة و القساوسة الذين وصل أرهابهم و ظلمهم حدّاً لا يطاق, بحيث بدؤا ببيع صكوك الغفران مستغلين جهل الناس بحقيقة الدين المسيحي الذي هو الآخر ظُلم و إستغل بشكل فضيع لأجل قداسة طبقة القساوسة, و الحال أن الأجحاف الذي حدث بحق الدين الأسلامي لم يكن مU
 † باب الظلم الذي سلطه رجال الدين على الناس و كما كان مع رجال الدين المسيحيين؛ بل كان بسبب قصور علماء الدين في عرض الأسلام للناس .. لا أكثر و إستغلاله من قبل المتحزبين إسلامياً لمصالحهم الشخصية.

يرجع ذلك إلى الفهم السطحي و القراءة الشكلية لمحتوى الرّسالات السّماوية التي هي منبع الخير و الوفرة و الأنتاج و الرفاه و الأمن و في مقدمتها (الأسلام) الذي نزل لصالح الأنسان ..

و إلى كون معنى الحقّ في مفهوم الأسلاميين التقليديين يقتصر على تطبيق الأحكام ضمن الحدود الفردية, و لذلك بقيت تعيش في أعماق الماضي .. أو كما يقول الصدر الأول الفيلسوف محمد باقر الصدر؛ (تعيش مع الموتى), من دون أثر في الحاضر!

المشكلة الأساسيّة التي نتجتْ عن هذا التعامل الشكليّ ألمُجحف مع الرّسالات السماوية, تكمن في أنها حقّقت (الوجاهة) و (القدسية) للفقهاء الذين نظّروا و مثّلوا الدِّين لوحدهم, و كأنّ الدِّين أنحصر بهم فقط من دون المثقفين الذين تقع على عاتقهم تفعيله في أوساط الناس, تلك الرّسالات الكونيّة التي أنزلها الله للناس كافة و التي كان يُمكن أنْ تلعب دوراً كبيراً في تحقق سعادة البشرية أجمع بدل سعادة عدد من الفقهاء بجانب شقاء معظم الناس .. لذلك فأن الأسلام الذي عرضه فقهاء (الوجاهة) باتتْ عاجزة تماماً عن إنتاج ثقافة مميّزة تواكب تطور العقل و الأنتاج الثقافيّ المعا?
 ?ر و القوانين و الحقوق المدنية على الأقل و التي تمت على يد العلمانيين الذين صاروا مطيّة (المنظمة الأقتصادية العالمية), بعد ما حقّقتْ تقدّمأً هائلاً بقوة العلم و التكنولوجيا التي تزاوجت مع قوّة المال فهيمنت على مقدرات البشر و منابع القدرة و العسكر في العالم!

و لم تستطع (الثورة الأسلامية المعاصرة) من تحقيق الكثير في هذا الوسط الهائج المضطرب, بل باتتْ محاصرة من قبل الجميع الذين خضعوا للأستكبار العالمي .. بسبب الذي أشرنا له, مضافاً له أسباب ذاتيّة كامنة في عمق العقل الأسلاميّ الذي باتَ عاجزاً حتى عن معرفة فلسفة فروع الدِّين بشكلٍ صحيح ناهيك عن فلسفة أصوله الكونيّة التي ما زالت مجهولة تماماً, و بآلتالي تفعيل المفاهيم و القيم الأسلامية في الواقع.

 لذلك كان الحقّ في جوانب عديدة مع الكثير من المفكريين المعاصرين كـ  (الصدر) و (شريعتي) و (محمد أركون) و (إدوارد سعيد) الذي إنتقدوا هذا الواقع, و تسائَلوا قائلين:
[هل مفهوم ثقافة متميزة مفهوم مفيد؟
أم إنه ينتهي دائما إلى تهنئة الذات (حينما يناقش المرء ثقافته الخاصة) أو في العدائية و العدوان .. (حين يناقش المرء الآخر)؟
و هل تهمّ الفروق الثقافية، و الدّينية، و العرقيّة، أكثر ممّا تهمّ الفصلات (الاجتصادية)، أو (السياتاريخية)؟
كيف تكتسب الأفكار سلطة؟
و ما دور المفكر؟
هل هو موجود لإظهار سريانية ثقافة دولته؟
أم هل ينبغي أن يستند إلى الوعي النقدي الضّدي؟](1).

يتجلىّ هذا الأستنتاج من خلال وضع الأنظمة التي تحكم العالم اليوم في أكثر من 255 دولة بضمنها 56 دولة إسلامية بكلّ أتجاهاتها و نظمها و عناوينها المزركشة بـ (الدّيمقراطية), و بشكلٍ أوضح في بلادنا من خلال الوقائع و التحالفات التي جرت سابقاً أو التي تجري آلآن قُبيل كلّ عمليّة إنتخابية, حيث نرى تحالف "الأسلاميين" مع "الكافرين" و "العلمانيين" مع "المؤمنين" و "الدّيمقراطيين" مع "الثيوقراطيين" و "آلقوميين" مع "الأمميين" و هكذا ..  لتنتج خليطا غريباً, لم تكون محصلة سعيهم في الحكم سوى المزيد من الفوضى و الأرهاب و الفساد بسبب تضارب متبنياتها و عقائدها ..

كيف يمكن أن يتحقق الأمن والرّفاه و الحريّة  للناس مع خليط غير متجانس و مكونات تناقض بعضها بعضاً في المتبنيات الفكرية و الثقافية, أم أنها كواقع حال و تحصيل حاصل لا تؤمن أي من تلك الأحزاب بما ترفعه من شعارات سوى للأستهلاك المحلي و التخدير الشعبي!؟

و هل يمكن أن يؤدي ذلك النفاق السياسي و العقائدي سوى إلى إستمرار الفساد و تقسيم الحصص و الرّواتب ..  التي سبّبتْ إنتشار الفقر و الفوضى و الأرهاب و العوق الجسدي و الفكري للجميع!؟

لذلك فأنّ تحطم الحدود الحمراء في كلّ مرّة بين تلك الأحزاب"العقائدية" هو مؤشرٌ طبيعيّ واضح على نكرانها لمبادئها و قيميها الثقافية .. الهشة أساساً لأحتوائها على إشكالات عمقية؛ لكسب السّلطة و المناصب لتقسيم المال و الثروة بين أعضائهم بعيداً عن دولة المواطنة و حقوق و واجبات الأنسان و العدالة في توزيع الثروات!

و هذا ما تجسّد وقوعه لدى الأحزاب في كلّ الانتخابات التي جرت في بلاد العالم, و قد ظهرت آلآن أيضا مؤشرات لتلك الأحلاف الغير شرعية و لا المقدسة مع قرب أنتخابات 2017 في العراق الجديد الذي بات يسير ضمن المحور الغربي بغباء مُفرط و هو يجهل ما جرى و يجري على شعوب الغرب نفسها في مسألة القيم و الحقوق و العدالة الأجتماعية, إن هذا الأمر يتحقق بسبب الأنحطاط آلثقافي و الفكري بعد ما أحسّت جميع تلك الأحزاب و الأئتلافات بإنكشاف جرائمها المنظمة و فسادها العلنيّ المزمن و المبطن أمام الشعب الذي أعلن تمرّده و أنتفاضتة الشاملة ضدهم من الجّهة الأخرى على كل صعيد,  لذلك نرى
  الأحزاب و الأئتلافات قد إصطفّوا لتشكيل الجبهات لمواجهتهم في الحقيقة و لضمان الفوز مجدداً, حيث تمّ لحدّ الآن تشكيل جبهتين رئيسيتين على أعتاب انتخابات 2017م(2).

يصطف مقابل تلك الجبهات .. تيار الشعب المنتفض الذي هو الآخر لا يملك ثقافة إنسانيّة أو برنامجاً واضحاً لأسباب عرضناها سابقا .. كما إنها لا تملك حتى بديلاً عن تلك الأحزاب و التحالفات التي حكمت و غذّت الشعب بتلك الثقافة المنحطة و التي برهنتْ فسادها و ظلمها و سلبها لحقوق المواطن الفقير بسبب التشوة و العوق الفكري الذي أصاب عقول الجميع و فقدان القيادة أو القائد الفكري .. و كذلك طبقة (النخبة) التي تكون بمثابة الجسر المُمتد بين القيادة و الأمّة, بجانب فقدان آلمنهج الفكريّ الذي يُشكل الدّعامة الثالثة و الهيكل العام لعملية التغيير!

لذلك نحن بصدد بيان و تعريف مكونات المنهج الفكري الذي يتعارض كلّياً مع آلمناهج و الطروحات التي عرضتها الأحزاب التي لم تهتم سوى بآلتسلط على كرسي الحكم لجمع المال و الإمتيازات, و تلك كانت فلسفة الأحزاب الأسلاميّة كما العلمانيّة و القوميّة بسبب ثقافتها التي عبّرت عنها عمليّاً خلال سنيّ الحكم السوداء التي مرّت على العراق القديم ثمّ الجديد في بدء الألفية الثالثة, ثمّ حلول العولمة و الديمقراطية الغربية التي سببت المآسي حتى في الغرب, عن طريق الفساد و تكبير الهوة بين طبقات المجتمع و صعود و إثراء الطبقة الحاكمة في (المنظمة الأقتصادية العالمية) التي تهيU
 ?ن على معظم ثروات و منابع العالم!

إنّ العولمة و الحداثة الغربيّة الآن تُمثّل قطاراً يمشي بسرعة إلى الأمام (لكن دون هدف) تلك هي النقطة الرئيسة السّلبية في ثقافة الحضارة الرأسمالية الغربية الآن, أو بتعبير أدق تسير لتحقيق أهداف محدودة تختص بآلدرجة الأولى بطبقة 1% المتمثلة بآلرأسماليين الكبار في (المنظمة الأقتصادية).

بكلمة أبسط إن الحضارة الاستهلاكيّة الرأسماليّة تمشي إلى الأمام تطوراً و تعقيداً و لكن بلا هدف واضح .. غير حصر المال و المنافع و الرّبح و تكريس رؤوس ألأموال عند طبقة قليلة من المجتمع يكون مجموع ثرواتها تكفي لإطعام العالم الجائع كافة، فهنالك ما يزيد على ملياري جائع حول العالم .. جائع بمعنى أنه لا يستطيع أن يؤمِّن قوت يومه من الطعام، بجانب المليارات الآخرى التي بآلكاد تستيطع توفير لقمة الخبز و السكن, و بآلمقابل تجد أفرادا قليلين يسيطرون على ثروات تعادل ثروات و ميزانيات عشرات الدول، و هذا التقسيم غير العادل للثروة هو ما يولد في الغالب الأرهاب و عدم ا
 لاستقرار الاجتماعي و ظهور العنف و السرقات و تنمية الحقد الدفين على الحكام الذين يأخذون أوامرهم من العالم الغني.

إنّ العرب و غيرهم ليسوا مهدّدين بالتهميش كما يظن البعض بل بتجريدهم من مواردهم المادية و المعنوية و جعلهم بروليتاريا العولمة الرثة، و هذا بالتالي أسوأ بكثير من التهميش الذي عرفناه في الماضي و اخترناه إلى حدٍّ كبير, كوننا اخترنا أن نكون الطرف المعولَم.

 بعد هذا التقديم نجد أنّ الفكر يتأثر إيجاباً و سلباً بالتغيرات الإجتماعية و الاقتصادية و حتى العسكرية، و بالتالي الثقافية للمجتمع، فالفكر هو منتج هذا كله، و هو ناتج عن الثقافة السائدة لمجتمع متغير يُعبّر من خلاله المجتمع عن همومه و مشاكله و أدبه و حضارته.

إن بلادنا اليوم و منها العراق في حال التشكيل و البناء من جديد بعد ما تمّ هدمها بآلكامل, و إذا لم يتقدم المثقفون بدل السياسيين؛ فأنّ الغرب سيقوم بإعادة بنائه بآلشكل الذي يريد على يد السياسيين الذين لا يهمهم ثقافة أو فكر أو حقوق مشروعة!

إن  الأولوية القصوى في المعركة الفكريّة, و الأساس المكين لكل إصلاح ينطلق من تقويم الفكر و تصحيح المفاهيم و التصورات، و هو ضرب من الجّهاد الواجب ضد تراث تراكمت فيه ألأحقاد و النزاعات و الأهواء و الأفكار المشوهه, من هنا كانت المعركة الفكريّة جديرة بالتقديم على غيرها, و ساحاتها متعددة:

معركة مع النفس قبل كل شيئ, و ذلك بتهذيبها و ترشيدها طبق التعاليم السماوية التي تحث في النهاية على التواضع و الشفافية و المحبة كغاية تدفع الفرد إلى التضحية و العمل و الأنتاج و الأيثار.

معركة خارج النفس مع الفاسدين و الغلاة العلمانيين و حتى الأسلاميين الذين عرضوا الإسلام للعالم بكونه مجموعة من التعاليم و المبادئ التي تدفع الأنسان للثراء و الحصول على المال و الجاه و المنصب و لو على حساب حقوق الناس و مستقبل أجيالهم, أو حتى ذبحهم كما حصل مع و ما زال يحصل في بلادنا!

 ومعركة ثقافية أخرى أهم و أكبر من كل ذلك .. في داخل السّاحة الإسلامية لترشيد و تقويم مسيرة الفكر الإسلامي و الحركة الإسلامية، تصدياّ للتيّارات الحزبية و الخرافية  و آلتيار الحرفي و تيار الأرهاب و العنف و الأقصاء و التقليد!

 و يتحقق هذا بالدعوة لتيار الوسطية و الأعتدال بخصائصه المعروفة بفقهه للدِّين فقهاً يتميّز بالشّمول و الاتزان و العمق .. و فقهه للواقع دون تهويل ولا تهوين .. و فقهه لمقاصد الشريعة .. و فقهه للأولويات و جمعه بين التراث و التجديد .. و إيمانه بأنّ التغيير الفكريّ و النفسيّ و الخلقيّ و بآلتالي المجتمعي, هو أساس كلّ عملية تغيير جذرية .. و تقديمه الإسلام مشروعا حضارياً متكاملاً .. و اعتماده منهج التفسير في الفتوى و التبشير في الدّعوة .. و إبرازه القيم الاجتماعية و السياسية في الإسلام مثل الحرية و الكرامة و الشورى و العدالة الاجتماعية، و اتخاذ الجهاد للدّفاع ?
 ?ن حرمات المسلمين.

و لا يتحقق ذلك إلّا من خلال بيان و تعريف ألمكونات الأساسية الأثني عشر للثقافة التي حدّدناها في الحلقة الخامسة (3), لأننا نعتقد بأنّ رفع الوعى و تنمية العقل الأنساني .. هو السلاح الإستراتيجي ألأمضى للطبقة الوسطى و الرّدع .. من اطماع الرأسمالية المتوحشة و القضاء على السبل المبتكرة للمنتفعين و الوصولين و المتاجرين بمصالح و اوجاع العمال و الفلاحين الذين يُمثلون مكونات الطبقة المتوسطة و عماد الطبقة الفقيرة.

و لعلّ مبادئ (المنتدى الفكريّ)(4) الذي عرضنا أسسه و أهدافه سابقاً؛ هو الطريق الأمثل لتحقيق ذلك, و أرجو من الأخوة المثقفين و أهل الفكر مطالعة ذلك و تطبيقه جهد الأمكان, لتحقيق ما نصبو إليه عملياً قبل فوات آلآمال و  الفرص التي تتقلص يوما ًبعد آخر بسبب إتساع و تقنين الفساد.
عزيز الخزرجي
مفكر كونيّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (الاستشراق/ ادوارد سعيد، ص 322).
(2) ألأولى: تضم ألجبوري و آلمالكي و آلتّغيير و آلوطني ألكردستانيّ في محور ..
ألثانية: تضمّ ألعبادي و آلصّدر و آلنّجيفي و البارزاني كمحور آخر مقابل الأول.
و من المحتمل ظهور جبهات و إئتلافات أخرى لاحقاً .. كلّها تهدف للفوز بآلسلطة لأجل المال و الرواتب و الغنائم و التسلط و كسب الأمتيازات على حساب حقوق و رفاه الأكثرية المهضومة, بعيداً عن مفاهيم العدالة الكونيّة, و حتى العدالة النسبية.
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=549868(3)
(4) يتكون منهج المنتدى الفكري الذي أنشأنا لبناته الأولى عام 2005م من أربعة فصول أساسية, نتمنى من المثقفين و أصحاب الفكر مراجعة ذلك, لتكون أساساً فكرياً لعملية البناء التي نأملها من خلال انشاء المنتديات الفكرية و الثقافية, حيث بدأ المثقفون في بلاد كثيرة البدء بذلك, و هو شيئ مفرح للغاية.

Share |

أضف تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
هيئة استثمار ذي قاراتحاد رجال الاعمالبيئة ذي قار