معاهد واعداديات التضامن تعلن عن فتح القبول للعام الدراسي ٢٠١٦-٢٠١٧مزايا
مجلس محافظة ذي قارالمفوضية المستقلة للانتخابات في ذي قار


الناصرية، وفاطمة حاضرتان في جسد القصة./حيدرعبدالرحيم الشويلي

Fri, 30 Dec 2016 الساعة : 22:56

آثرُ ثريا النص ومدى ديناميكيته في مجموعة غرفة مضاءة لفاطمة
للقاص محمد حيّاوي
اهتمت الدراسات النقدية الحديثة في مجال تحديد النص بالعنوان،فعن عن طريق العنوان تتجلى جوانب أساسية مهمة،أو مجموعة هامة من الدلالات والإشارات الرمزية في النص الأدبي ، مما يجعل العنوان عنصراً موسوماً ومكثفاً وأهمية العنونة في النصوص الأدبية تبرز بكونه سمة من سمات المنتوج وعلامة تطبعه وتميزه بالإضافة إلى كون العنوان مدخلاً للنص وبداية جاذبة له ، فهو ينبئ عن النص ويشير إليه وقد يكون ملخصا له وتكثيفاً لمضمونه.
أنّ اختيار العنوان قد يكون أمام الكاتب او القاص بشكل خاص عقبة حرجة ومرحلة خطيرة بالنسبة للكاتب الواعي اللاقط للعناوين المميزة من سيل ابداعهِ المتوقد دائماً، واذكر قولاً للقاص المبدع علي السباعي تميزه في اختيار عنونة أعماله القصصية، حيث أفاد:((العنوان:- أجدهُ بوابة للنص "قصة، شعر، مسرح، رواية"...مثل باب مزخرف بنقوش مؤثرة وذات دلالات عدة تغوي هذه البوابة العنوان على طرقها، والدخول إلى جنةِ النص ...أنها أحد الطرق وأصعبها لأغواء المتلقي باغراءه لممارسة فعل قراءة النص)).
وفي تعريف جامع لطبيعة العنوان وتموقعه ووظائفه ودلالاته واستراتيجيته، يذكر د. خالد حسين تعريفاً للعنوان بأنه(علامة لغوية تتموقع في واجهة النص، لتؤدي مجموعة من الوظائف تخص انطولوجية النص ومحتواه وتداوليته في إطار سوسيو - ثقافي خاص بالمكتوب. وبناءً على ذلك فالعنوان، من حيث هو تسمية للنص وتعريف به وكشف له،يغدو علامة سيميائية تمارس التدليل وتتموقع على الحد الفاصل بين النص والعالم، ليصبح نقطة التقاطع الاستراتيجية التي يعبر منها النص إلى العالم والعالم إلى النص، لتنتهي الحدود الفاصلة بينهما ويجتاح كل منهما الآخر)().
والعنوان يجب أن يثير في القارئ الرغبة والسعي في قراءة النص فنجد جيرار جنينت قد حدد أربع وظائف للعنوان هي: الاغراء، الإيحاء، الوصف، التعيين الإ أن التطور النقدي الحديث قد تجاوز هذه الحدود إلى آفاقٍ أوسع وأكبر.فالعنوان بارقة اولى نحو المجموعة القصصية، لكن تصور صدمة القارئ حين لايستشعر إيقاع او نغمة تتموسق في جنباته، تشعر بعبثية هذا الشيء. ولو اطلعنا على المجاميع القصصية او الشعرية لأهم الكتاب والشعراء في العالم وحتى المترجمة  نجد أن غالبية عناوين أعمالهم الابداعية جداً عادية.
فهذا المدخل جعلني أتأمّل ما عنونه القاص محمد حياوي مجموعتهِ القصصية الموسومة(غرفة مضاءة لفاطمة) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة بطبعتها الاولى في بغداد 1986 فالعنوان لدى محمد حياوي بحد ذاته مجموعة قصصية متكاملة، واحياناً يكون العنوان مكتنزاً بدلالات تفتق طاقات هائلة من الشعرية و(إيقاعات الزمن الراقص)لعلي السباعي و(زليخا. البعد يقترب)لجليل القيسي و(لأوفيليا جسد الأرض) لعبدالأله أحمدو(في ظلال المشكينو)لأحمد خلف التي لاتكمن شعريتها في العنوان ولا في اللغة فحسب بل هي حاضرة في كل شيء، وقد يجُعل العنوان مكاناً باعتبار المكان عنصراً قصصياً وليس إطاراً تتنزل فيه الأحداث وحسب فقد يكون المكان هو البطل واحياناً هو الحكاية من بدايتها إلى نهايتها مجسدة العلاقة الحميمية بين الزمان والمكان.
إن لكل امرأة من هذه النساء قصة لها دلالة لا نستطيع الوصول إليها الإ خلال العنوان وعلاقته بالسياق النصي، ولا نستطيع فصل العنوان عن النص أو النص عن عنوانه، إن هذه العناوين قد ساهمت في إثراء هذه النصوص وتحديد هويتها ودلت على عمق ثقافة القاص وقدرته على توظيف الموروث وصياغته وتشكيله وايجاد حيز لها في ذاكرة المتلقي، فلو نسي المتلقي تفاصيل الأحداث في النص القصصي فلن ينسى مجال عناوين هذه القصص.
وتتمحور هذه القراءة حول ظاهرة العنونة، فهي جزء من استراتيجية الكتابة لدى الكاتب لاصطيادالقارئ وإشراكه في لعبة القراءة،كما هي بعد من أبعاد استراتيجية القراءة لدى المتلقي لفهم النصّ وتأويله..وهذا الأمر يجعل المبدع يولي العنوان أهمية بالغة فهو ليس اعتباطيا، إذ يعمد إلى تحميله دلالات واضحة حينا وخفية حينا
فابتدع القاص محمد حياوي قاموسه القصصي الخاص دون قصدية ، منذ بداياته السردية منطلقا من حياة يومية حقيقية وواقعية في مدينة الناصرية جمعت بين التاريخ، والجغرافية، بين المكان والزمان، إنه يرجع للذاكرة التاريخية.ونلاحظ التأثير القوي لهذا العنوان وسيطرته الكاملة على المتلقي وإحالته إلى المرجعية التاريخية والجغرافية (الناصرية الموعودة)، وبناءً عليه يشرع القاص في تأسيس ملحمته الخاصة بكل تفاصيلها،،،و(فاطمة)هو الزمان والمكان ، وهو الحاضر والمستقبل، إن فاطمة هنا حالة قصصية خاصة ، وفاطمة شخصية حقيقية نبتت عبر الزمان والمكان ، و(غرفة مضاءة لفاطمة)عنوان مجموعة قصصية ، ملحمة وأسطورة وحكاية تتسع باتساع العنوان الإبداعي الغير مسبوق.
ومن السهل الظفر بتعريف للفظة"عنوان"معجمياً،فكل المعاجم العربية،القديمة منها على الخصوص،عرفتها بما ينسجم وطبية الواقع الثقافي السائد في وقتها.فهو لفظ متقاطع الدلالة بين ثلاث مواد هي"عنن"ومادة"عنا"ومادة"علن"،وتبقى المادة الأولى هي الأكثر صلة به، ففي لسان العرب نجد: عنّ الشئ يعنُّ عننا وعنُونا:ظهر أمامك،وعنَّ ويعُنَّ عنّا وعنونا،واعتنَّ:اعترض وعرض،ومنه قول الشاعر امرئ القيس:
       فعنَّ لنا سرب كأن نعاجه.
والاسم العنن والعنان" وعّننت الكتاب أعننته لكذا اي عرضته له وصرفته إليه،وعنَّ الكتاب عنّاً وعننَّه كعنونه،وعنونته وعلونته وعلونته بمعنى واحد،مشتق من المعنى وقال اللحياني: عننَّت الكتاب تعننياً وعنيته تعنية إذا عنونته،أبدلو من احدى الننات ياء، ويسمى عنواناً لأنه يعن الكتاب من ناحيته،وأصله عنَّان،فلما كثرت النونات قلبت إحداها واوا،ومن قال علوان الكتاب جعل النون لاماً لأنه أخف وأظهر من النون.ويقال للرجل يعرض ولايصرح:قد جعل كذا وكذا عنواناً لحاجته،وأنشد:
                وتعرف عنوانها بعض لحنها     وفي جوفها صمعاء تحكي الدواهيا.

إن دلالة العنونة عند محمد حياوي عتبة لغوية تضافرت مع عتبات أخرى لتسهل عملية القراءة،وتعمق الثقافة، لكن في بعض الأحيان، لا نجد ذلك الارتباط بين(العنوان والنص)، أو بين عنوان المجموعة وبين القصص القصيرة فيها ، ولا يتقاطع مع محتواها بشكل واضح، وقد يرجع ذلك إلى أن هذه النصوص او القصص كتبت في سياقات وأزمنة مختلفة، فهي لا تمثل حلة نفسية ادبية سردية واحدة، اما سيطرة المكان على هذه العنونة تبدو جلية للعيان ، ولم تكن إلصاقا، وإنما انصهر العنوان في بوتقة النص على المستوى العام والخاص، والانتباه لعنونة هذا العمل القصصي قد يفتح الشهية لأروع مايسعى إليه القارئ وهي:تشوقه وإثارة انفعاله ، وايقاظ متعة القراءة فعنوان المجموعة القصصية (غرفة مضاءة لفاطمة) له جاذبية خاصة للقارئ ومجموعة القاص محمد حياوي القصصية تنتمي لهذا الصنف من السرد فقد اختار القاص الغرفة المضاءة لفاطمة عنواناً للمجموعة من داخل عناوين النصوص الموجودة بين دفتي الكتاب.

Share |

أضف تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
هيئة استثمار ذي قاراتحاد رجال الاعمالبيئة ذي قار